تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقوله في مادّة (ل ت ت) : ((زعم قوم من أهل اللّغة أنّ اللاتَ التي تعبد في الجاهليّة صخرة كان عندها رجل يَلُتُّ السّويق وغيره للحاجّ، فلمّا مات عُبدت. ولا أدري ما صحّة ذلك؛ لأنّه لو كان كذلك كان يكون: اللاتّ: بتثقيل التّاء لأنّها تاءان)) (5) .

وقوله في مادّة (ذ خ ر) : ((وادّخرت ادّخاراً، وهو افتعلت من الذُّخر؛ الأصل فيه اذتخرتُ، فقلبوا التّاء دالا، لقرب مخرجها منها، وأدغموا الذّال في الدّال، وكذلك يفعلون في نظائرها، مثل ادّكر، ونحوه)) (1) .

وقوله: ((المُدالاة: المفاعلة من الرِّفق، من قولهم: دَلَوته في السّير أدلوه دَلواً، إذا رفقت به في السير)) (2) .

وقوله في مادّة (ك ور) : ((كار الرّجل إذا أسرع في مشيته يكور كَوْراً، واستكارَ استكارة. قال أبو بكر: وهذه الألف الّتي في استكار مقلوبة عن الواو، وكان الأصل: استكوَرَ، فألقيت فتحة الواو على الكاف، فانقلبت ألفاً ساكنة: وسمّي الرّجل مستكيراً من هذا)) (3) .

وقوله في مادّة (ف ر ع) : ((وأمّا فرعون فليس باسم عربيّ يُحكّم فيه التّصريف. وأحسب أنّ النون فيه أصليّة؛ لأنّهم يقولون: تفرعن، وليس من هذا الباب)) (4) .

ومثل هذا كثير في ((الجمهرة)) ، وهو يدلّ دلالة واضحة على تمكّن ابن دريد من التّصريف، إلى الحدّ الذي يؤهّله لوضع معجم لغويّ يقوم أساساً على معرفة أصول الألفاظ، وما يعتريها من زوائد، وهل يصحّ بعد هذا ما يردّده بعض الباحثين المعاصرين، وهو ((أنّ معظم أخطاء ابن دريد قد نتجت عن عدم خبرته بعلم الصّرف)) (5) .

إنّ لخلل الأصول في الجمهرة أسباباً مختلفة منها ما يتّصل بمنهج ابن دريد، ومنها ما يتّصل برؤيته الخاصّة لبعض المسائل اللّغويّة، ومنها ما يحمل على السّهو. وفيما يلي أبرز الأسباب التي أدّت إلى الخلل والاضطراب في هذا المعجم:

الأوّل: اضطراب المنهج:

إنّ نظام التّقليبات وكثرة الأبواب والتّفريعات والملحقات غير المحكمة أوقعت ابن دريد في شيء غير قليل من خلل الأصول، فالمعجم مقسّم عنده إلى الثّنائيّ وما يلحق به، فالثّلاثيّ وما يلحق به، فالرّباعيّ وما يلحق به، فالخماسيّ وما يلحق به، ثمّ أبواب اللفيف وأبواب النّوادر.

ويلحق بباب الثّنائيّ أبوابٌ للثّنائيّ الملحق ببناء الرّباعيّ المكرّر، فباب للهمزة، وما يتّصل بها من الحروف في المكرّر، فباب للثّنائيّ في المعتلّ وما تشعّب منه.

ويلحق بأبواب الثّلاثيّ الصّحيح باب لما يجتمع فيه حرفان مثلان في موضع الفاء والعين أو العين واللام أو الفاء واللام، فباب لما كان عين الفعل منه أحد حروف اللّين، فباب للنّوادر في الهمز.

ويلحق بأبواب الرّباعيّ أبواب للرّباعيّ المعتل، فباب لما فيه حرفان مثلان من الرّباعيّ، ثمّ أَلْحَقَ به عشرين بابا لأوزان مختلفة، حتّى يخيّل للقارئ أنّه أمام معجم من معاجم الأبنية لا الألفاظ.

أما أبواب الخماسيّ وما يلحق بها من أبواب مبنيّة على الأوزان، وكذلك أبواب اللّفيف والنّوادر فهي إلى معاجم الأبنية أقرب، وفيها أدخل، والاضطراب فيها فاش.

وللّفيف عند ابن دريد مفهوم يختلف عمّا اصطلح عليه الصّرفيون، وهو لا يريد به إلاّ الأبواب القصيرة، يقول: ((سمّيناه لفيفاً لقصر أبوابه والتفاف بعضها ببعض)) (1) هكذا.

وبسبب هذا الاضطراب في المنهج تَشَتَّتَت الألفاظ والأبنية، وتكرّرت، واضطربت الأصول، ونتج عن ذلك الاضطراب في المنهج أن أورد ابن دريد ألفاظاً ثلاثيّة الأصول في أبواب الرّباعيّ، وأورد ألفاظاً ثلاثيّة الأصول أو رباعيّتها في أبواب الخماسيّ، واضطرب في أوزان كثير منها.

ولو أحكم أبن دريد منهجه وقلّل من التّفريعات والملحقات، وساير الخليل في تقسيم الأبنية ما وقع في كثير ممّا وقع فيه، ممّا قد يحمل على ضعف التّصريف، وليس الأمر كذلك.

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ١٢٤٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ١٢٤٨