تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومنهم أبو بكر الزّبيديّ، وهو القائل في ترجمته: ((… وكان أعلم النّاس في زمانه باللّغة والشّعر وأيّام العرب وأنسابها وله أوضاع جمّة)) (5) .

وكان أبو البركات الأنباريّ يقول عنه: إنّه ((من أكابر علماء العربيّة)) (6) .

أمّا القفطيّ فجعله ((رأس أهل العلم، والمتقدّم في حفظ اللّغة وأشعار العرب)) (7) .

وأثنى بعض علمائنا المعاصرين على ابن دريد (8) ووصفوه بأنّه صدوق، حافظ، ضابط، مُتَحَرٍّ للصّواب فيما يرويه (9) ، فتمكّن من علم العربيّة، وأنّ في الجمهرة ما يشهد بقدرته اللّغويّة.

ويتّفق الفريقان -منتقدو ابن دريد وممتدحوه- على أنّه كان ذا حافظة قويّة، أفاد منها في تأليف معجمه، فأملاه من ذاكرته إملاء، من غير نظر في شيء من الكتب، إلاّ في بابي الهمزة واللّفيف، فإنّه طالع لهما بعض الكتب (1) .

الفصل الثّاني خلل الأصول في الجمهرة

تقدّم أنّ ابن دريد خالف الخليل في منهجه، فقسّم ((الجمهرة)) تقسيماً بنائياً، فجاءت الأبواب الرّئيسة عنده ستّة وهي:

أبواب الثّنائيّ.

أبواب الثّلاثيّ.

أبواب الرّباعيّ.

أبواب الخماسيّ.

أبواب اللّفيف.

أبواب النّوادر.

وهذا الباب الأخير ليس من أبواب الأبنية، بل هو من أبواب الموضوعات –كما تقدّم– فلا يظهر فيه خلل الأصول خلافاً للأبواب الخمسة قبله، ولذا فإنّه من المناسب –في هذا البحث– أن نعرض خلل الأصول من خلال تلك الأبواب الخمسة الرّئيسة؛ ليكون الحكم عليها وَفْقَ منهج المعجم، ومفهوم صاحبه، وهو ما نأتي عليه في المباحث التّالية:

المبحث الأوّل: الخلل في الثّنائيّ وما ألحق به

في أبواب الثّنائيّ شيء غير قليل من الخلل في الأصول، وهو في جملته نوعان:

أحدهما: اضطراب الأصول في الثّنائيّ المعتل.

والآخر: الاضطراب في الرّباعيّ المكرّر، وفيما يلي بيانهما:

أوّلاً: اضطراب الأصول في الثّنائيّ المعتلّ:

أفرد ابن دريد الثّنائيّ المعتلّ بباب، ويعني به ما جاء فيه حرف واحد صحيح، ومعه حرفان من حروف العلّة الواو والياء وكذلك الهمزة، لأنّها من حروف العلّة عنده، ولهذا فإنّه يذكر رؤوس الموادّ (أصولها) على النّحو التّالي: (ب أوى) ، (ت أوى) ، (ث أوى) (ج أوى) ، (ح أوى) وهكذا، وهي ثلاثيّة الأصول، ويذكر لكلّ أصل منها تقليباته المستعملة فيه، ويترك المهمل.

ويلاحظ أنّ في أصل كلّ مادّة ثلاثية حرفاً صحيحاً واحداً، ومعه حرفان من حروف العلّة هذه، وهي (الهمزة والواو والياء) ولا تجتمع هذه الثّلاثة مع حرف صحيح في أصل كلمة واحدة في هذا الباب بل يأتي منها اثنان فحسب ليكملا مع الحرف الصّحيح الأصل الثّلاثيّ، ويتّضح هذا من تقليبات مادّة (ج أوى) مثلاً، وهي كما وردت في الجمهرة: (جوا) و (جأى) و (جوأ) و (وجأ) و (جيأ) و (جيا) وهذه التّقليبات السّتّة ثلاثيّة كما ترى، ولا اعتراض عليها، فهي توافق منهجه، ولا تخالف أبنية اللّغة وأصولها عند تطبيقها تطبيقاً صحيحاً، وقد سبقه إليها الخليل، فذكر في آخر كلّ كتاب من الثّلاثيّ باباً سماه: ((باب اللّفيف)) وجعل الهمزة مع حروف العلّة (1) .

ولكن ثمّة اضطراب في الأبنية في هذا الباب عند ابن دريد، إذ يأتي –أحياناً– في بعض التّقليبات بأصول ليست من المادّة الّتي معه كقوله في مادّة (ف أوى) : ((فُوَّهة النّهر: الموضع الّذي يخرج منه ماؤه. وكذلك فُوَّهة الوادي … وأفواه الطّيب واحدها فُوهٌ)) (2) .

و ((فُوّهة)) و ((فُوه)) و ((أفواه)) ليست من هذه المادّة، فهي من (ف وهـ) ومكانها باب الثّلاثيّ المعتلّ، وَفْقَ منهجه، وليس الثّنائيّ المعتلّ.

وقال في مادّة (س أوى) : ((والسُّوس: هذه الدّابّة المعروفة. وساس الطّعام يَسَاس، إذا وقع فيه السّوس … ويقال: سِيسَ الطّعام فهو مَسُوس … وكذلك سَوَّس تسويساً …)) (3)

وكلمة السّوس وما تفرّع منها من مشتقات ليست من هذه المادّة، فهي من (س وس) ومكانها باب ((ما كان عين الفعل منه أحد حروف اللّين)) (4) على منهجه، وهو من أبواب الثّلاثيّ، وقد ذكره هناك في موضعه (5) .

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ١٢٣٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ١٢٣٧