وسنقف في الفصل الثّاني من هذا البحث -إن شاء الله- على حقيقة هذا الخلل والاضطراب من خلال الفحص الدّقيق للجمهرة، وتوجيه ما يمكن توجيهه.
ب اضطراب المنهج واختلال التصنيف:
وذلك في أبواب الجمهرة التي لا تقوم في تقسيمها وترتيبها على أساس واحد، بل تقسم على أساس الألفاظ تارة وعلى أساس الأبنية تارة أخرى، وعلى أساس الموضوعات والظّواهر اللّغويّة في بعض الأحيان (6) .
وسيتّضح اضطراب المنهج وخلل التّصنيف من خلال الفصل الثّاني، إن شاء الله.
ج افتعال العربية، والكذب على العرب.
ومن أقدم من وجّه هذه التّهمة لابن دريد أبو منصور الأزهريّ، في ((تهذيب اللّغة)) وهو القائل: ((وممن أَلَّفَ في عصرنا فوُسِمَ بافتعال العربيّة، وتوليد الألفاظ، الّتي ليس لها أصول، وإدخال ما ليس من كلام العرب في كلامهم أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد صاحب كتاب الجمهرة)) (1) .
ويقول: ((وتصفّحتُ كتاب الجمهرة له فلم أَرَهُ دالاّ على معرفة ثاقبة، وعثرتُ منه على حروف كثيرة أزالها عن وجوهها، وأوقع في تضاعيف الكتاب حروفاً كثيرة أنكرتها، ولم أعرف مخارجها، فأثبتها من كتابي في مواقعها منه لأبحث عنها أنا أو غيري ممّن ينظر فيه، فإن صَحَّت لبعض الأئمّة اعتُمدت، وإن لم توجد لغيره وُقِفَتْ)) (2) .
وسَرَت كلمة الأزهريّ هذه إلى بعض اللّغويين من بعده، وتأثّروا بها في أحكامهم على ابن دريد، ومن هؤلاء ابن فارس الّذي يقول: ((ولولا حُسْنُ الظّن بأهل العلم لترك كثير ممّا حكاه ابن دريد)) (3) .
ولا يعنينا البحث في أسباب هذا المطعن؛ لخروجه عن نطاق هذا البحث، ولكن حسبنا أن نقول: إنّ أكثر علماء العربية وَثَّقوا ابن دريد وقبلوا ما جاء به في الجمهرة، ونقلوه في معجماتهم أو كتبهم؛ لمعرفتهم به، ولرؤيتهم ما يفيد تحرّيه الصّدق في معجمه، كتعقيباته الكثيرة على ما يشكّ فيه، بعبارات مختلفة، من مثل قوله: ((لا أدري ما حقيقته)) و ((ليس بثبت)) و ((لا أَحُقُّه)) و ((كذا زعموا)) و ((فإنّه مولّد لا يؤخذ بلغته)) ونحو هذا، وهو كثير مبثوث في الجمهرة.
ولعلّ الأزهريّ كان متأثّرا بأقوال شيخه ((نفطويه)) وطعنه في ابن دريد، واتّهامه بسرقة ((العين)) وكان بين الرّجلين –ابن دريد ونفطويه– تنافس شديد، ومنافرة مشهورة، وقد تقرّر في علم الحديث أنّ كلام الأقران في بعضهم لا يقدح، كما يقول السّيوطيّ (4) .
نعم، ولم تكن هذه الملحوظات وغيرها قادحة في علم ابن دريد، أو في معجمه
((الجمهرة)) عند كثير من العلماء، الّذين أقرّوا له بالحذق والاستيعاب في العربية، والتقدّم في صناعة المعاجم، فأثنوا عليه. ومن حقّ ابن دريد علينا أن نذكر بعضهم إنصافاً له وللعلم:
فمن هؤلاء أبو عليّ القاليّ الّذي تتلمذ على ابن دريد، وتعلّم على يديه صناعة المعاجم، فأخرج معجمه ((البارع)) وكان كثير الثّناء على شيخه، ويصفه بأنّه: ((إمام هذه العلم في عصره، ومنقطع القرين فيه في دهره)) (1) .
ولم يزل القالي يشهد لشيخه ابن دريد بثبات الذّهن، وكمال العقل، على الرّغم من علوّ سِنّه، ومناهزته التّسعين، وتعرّضه للأمراض، كالفالج وغيره، فيقول: ((وكنت أسأله عن شكوكي في اللّغة، وهو بهذه الحال، فيردّ بأسرع من النَّفَس، بالصّواب. وقال لي مَرَّةً – وقد سألته عن بيت شعر: لئن طُفِئَتْ شحمتا عينيّ لم تجد من يشفيك من العلم)) (2) .
ومنهم أبو الطّيّب اللّغويّ، ومما قاله عنه: ((… فهو الذي انتهى إليه علم لغة البصريين، وكان أحفظ النّاس، وأوسعَهم علماً، وأقدَرَهم على شعر، وما ازدحمَ العلم والشّعر في صدر أحد ازدحامهما في صدر خلف الأحمر وأبي بكر بن دريد)) (3) .
ومنهم أبو الحسن المسعوديّ، إذ قال ممتدحاً ابن دريد: ((انتهى في اللّغة، وقام مقام الخليل بن أحمد فيها)) (4) .