ج تخلّصه من المنهج الصّوتيّ الّذي اتّبعه معجم ((العين)) واستبداله المنهج الأبتثيّ به، على الرّغم من أنّ ابن دريد ساير صاحب ((العين)) في نظام التّقليبات.
وبعد ذيوع هذا المعجم الجديد وانتشاره في المشرق العربيّ، واستقراره بأيدي طلبة العلم ومحبّي العربية، رأى فيه بعض العلماء ما يكدّر الصّفو، فأعادوا النّظر فيه، ونشأت طائفة تقدح فيه، وفي مؤلّفه، يتزعّمهم ابن عرفة الشّهير ب (نفطويه) ثمّ انتشر بين الأجيال المتعاقبة من العلماء نقد ((الجمهرة)) والطّعن في علم مؤلّفها.
ومن أبرز الطّاعنين في علم ابن دريد وفي عمله في ((الجمهرة)) :
نفطويه (323هـ) ، وأبو سعيد السّيرافيّ (368هـ) ، وأبو منصور الأزهريّ (370هـ) ، وأبو عليّ الفارسيّ (377هـ) ، وأبو الفتح ابن جنيّ (393هـ) ، وأبو الحسين ابن فارس (395هـ) ، وعبد القاهر الجرجانيّ (471هـ) وبعض الدّارسين المعاصرين، وهم يأخذون على ابن دريد مآخذ وينتقدون صنعته في ((الجمهرة)) .
ويمكن حصر المآخذ في نقاط رئيسة، ومن أبرزها:
أالخلل في الأصول اللّغويّة واضطرابها لفساد التّصريف:
ومن أوّل من اتّهم ابن دريد بهذه التّهمة أبو سعيد السّيرافيّ، فيما رواه أبو حَيَّان التَّوحيديّ، قال: ((سألتُ السّيرافيَّ عن قول من قال: المزاح سمِّي مزاحا، لأنّه أزيح عن الحقّ، فقال: هذا محكيّ عن ابن دريد، وهو باطل، والميم من سِنخ الكلمة، في: مزحت أمزح، ومن أُزيحَ تكون زائدة.
وقال أبو سعيد: كان أبو بكر ضعيفاً في التّصريف، والنّحو خاصّة، وفي كتاب الجمهرة خلل كثير.
قلنا له: فلو فصلت بالبيان عن هذا الخلل، وفتحت لنا باباً من العلم، فقال: نحن إلى سَتْر زلاّت العلماء أحوج منا إلى كشفها. وانتهى الكلام.
فلما نهضنا من مجلسه قال بعض أصحابنا: قد كان ينبغي لنا أن نقول له: حراسة العلم أَوْلى من حراسة العالِم وفي السّكوت عن أبي بكر إجلال، ولكن خيانة للعلم)) (1) .
وكان أبو علي الفارسي يُعَرِّض بابن دريد، ويتنقّص منه، ويقلّل من شأنه (2) . ومن تعريضه به قوله في بعض كتبه في أثناء كلامه عن كلمة ((يستعور)) : ((وقد كان شيخ من أهل اللّغة وَزَنَ هذه الكلمة ب (يَفْتَعُول) حتى نُبِّهَ عليه، وله فيما كان أملاه من الأبنية حروف كثيرة تحتاج إلى إصلاح)) (3) .
ثمّ جاء ابن جنّي تلميذ أبي عليّ وصَدَحَ بكلمة مؤلمة في حقّ ابن دريد أوردها في ((الخصائص)) وهي قوله: ((وأمّا كتاب الجمهرة ففيه – أيضاً – من اضطراب التّصنيف، وفساد التّصريف، ما أعذر واضعه فيه، لبعده عن معرفة هذا الأمر.
ولمّا كتبته وَقَّعْتُ في متونه وحواشيه جميعاً من التّنبيه على هذه المواضع ما استحييت من كثرته، ثمّ إنّه لماّ طال عليَّ أومأت إلى بعضه، وأضربت البتّة عن بعضه)) (1) .
وقال السّيوطيّ مفسّراً كلمة ابن جني هذه: ((مقصوده الفساد من حيث أبنية التّصريف، وذِكرُ الموادّ في غير محالّها … ولهذا قال: أعذر واضعه فيه لِبُعْدِهِ عن معرفة هذا الأمر، يعني أن ابنَ دريد قصير الباع في التّصريف، وإن كان طويل الباع في اللّغة، وكان ابن جنّي في التّصريف إماماً لا يشقّ غباره، فلذا قال ذلك)) (2) .
ويظهر صدى كلمة ابن جنيّ تلك في قول عبد القاهر الجرجانيّ في أثناء حديثه عن ((الملك)) واحد الملائكة: ((وأما ذِكْرُ ابن دريد المَلَكَ في تركيب (م ل ك) فلا اعتداد به؛ لأنّه قد ذكر–أيضاً– لِثَة مع ثهلان، ورِعَة مع عَاهِر، وغير ذلك، مما هو من تصريف الصّبيان)) (3) .
ويشير عبد السّلام هارون إلى ذلك المطعن الّذي قاله ابن جّنّي في حقّ ابن دريد وجمهرته، ويقرّر أنّه لا سبيل إلى ردّ هذا المطعن، وأنّ الاعتذار عنه داخل في نطاق التّعمّل والتّكلّف (4) .
ويأخذ عليه بعض الباحثين المعاصرين (5) إلى جانب ما ذكر في هذا الشّأن اضطرابه في تاء التّأنيث، وعدّها من أصول الكلمة، وهو ما أومأ إليه عبد القاهر الجرجانّي في كلمته السّابقة.