وقد اهتم غليالم الثاني بالعلماء والحكام، حيث كان يستدعيهم إلى بلاطه ويغدق عليهم الأموال والأرزاق طمعاً في بقائهم لديه وتسلية لهم عن أوطانهم (118) .
وقد امتدح ابن قلاقس الأسكندري الذي قدم إلى بلاط ملوك النورمان، كما سبق وأن أشرنا إلى ذلك، امتدح غليالم الثاني بقصيدة ذكر بعضها الصفدي، فكان مما جاء فيها قوله:
يقر لغليلم المليك ابن غليلم
سليمان في ملك وداود في حكم
وتخدمه الأفلاك بالسعد في العدى
فيسطو بسيف البرق أو حربة النجم
فأي هلال ليس كالقوس راشقاً
بأي شهاب ليس ينفذ كالسهم
وما النصر إلا جنده حيث ما مضى
على حبهات البر أو صفحة اليم (119)
ولكن ما هي الصورة الأخرى لحياة المسلمين في صقلية في عهد غليالم الثاني والتي رواها لنا ابن جبير، وهل هناك تناقض بين روايته للحالين، أم أن هذا هو الواقع حقيقة في صقلية.
يقول ابن جبير عن مدينة (مسيني) : (ويستوحش بها المسلم الغريب) (120) . وقوله هذا يدل على أن المسلمين بها قليل، أو لا يوجد منهم أحد فالكل من غير المسلمين.
وابن جبير يجعلنا في حيرة أيضاً عندما يذكر لنا أن الملك غليالم الثاني اتخذ حجابه ووزراءه وفتيانه من المسلمين ثم يقول لنا (كلهم أو أكثرهم كاتم إيمانه، متمسك بشريعة الإسلام) (121) وهذا يدل على أن هناك تضييق على المسلمين فيما يتعلق بتأدية شعائرهم الدينية، وواجباتها وتكليفاتها.
وينقل لنا ابن جبير صورة أخرى لحال المسلمين هناك، يتبين من خلالها الدور الدعوي الذي تقوم به النساء المسلمات من جواري القصر الملكي، ولكن ذلك يتم في سرية وتكتم. مما يدلل على الخناق الذي يلقاه المسلمون عامة في صقلية عند ذكر الحقيقة، فيذكر لنا أن (الأفرنجية من النصرانيات تقع في قصره، فتعود مسلمة تعيدها الجواري - المسلمات - مسلمة، وهن على تكتم من ملكهن في ذلك كله) (122) .
ويروي لنا الرحالة ابن جبير حكاية عن رجل من وجهاء مدينة مسيني وكبرائها اسمه عبد المسيح، كان قد احتفل بابن جبير وأكرمه في منزله، وهذا الرجل تحركت فيه عواطفه ومشاعره الدينية، ويريد أن يسأل عن الأماكن المقدسة في مكة والمدينة والشام، ولكنه لم يستطع أن يقدم على تلك الأسئلة إلا بعد أن أزال من مجلسه ذلك كل من يشك فيه من خدامه، من أنه سينقل عنه شيئاً.
وهذا أمر له دلالته فالمسلم هناك لا يستطيع أن يبوح بمشاعره وأحاسيسه الدينية خوفاً من أولئك النصارى من الحكام وغيرهم.
يقول ابن جبير: (وباح لنا بسره المكنون بعد مراقبة منه في مجلسه، أزال لها كل من كان حوله ممن يتهمه من خدامه، محافظة على نفسه، فسألنا عن مكة قدسها الله، وعن مشاهدها المعظمة، وعن مشاهد المدينة المقدسة، وعن مشاهد الشام) (1) 12) . فأخبره ابن جبير عن ذلك كله (وهو يذوب شوقاً وتحرقاً) (124) .
وينقل هذا الشخص صورة ما هم عليه لابن جبير، من كتمان لإيمانهم، وعبادة الله سراً، وغير ذلك فيقول لابن جبير (أنتم مدلون بإظهار الإسلام، فائزون بما قصدتم له، رابحون إن شاء الله في متجركم، ونحن كاتمون إيماننا خائفون على أنفسنا، متمسكون بعبادة الله وأداء فرائضه سراً، معتقلون في ملك كافر بالله، قد وضع في أعناقنا ربقة الرق..) (125) .
إن ما ذكره هذا الشخص لابن جبير يؤكد لنا أن المسلمين على هذه الحالة إنما هم كالأرقاء، لا يتحركون إلا بأوامر سيدهم، ولا يستطيعون إظهار عزة أنفسهم، وعزة دينهم، بل هم في حالة خوف دائم على أنفسهم.
ويؤكد لنا ابن جبير أن أداء فتيان الملك غليالم الثاني للصلاة المفروضة، لا يكون إلا سراً، حيث يخرجون من عنده فرداً فرداً فيصلون فريضتهم؛ (وربما يكونون بموضع تلحقه عين ملكهم فيسترهم الله عز وجل) (126) .
وعند زيارة ابن جبير لمدينة (بلرم) العاصمة يذكر لنا حال المسلمين هناك في صورتين متناقضتين، من حيث أنهم يعمرون مساجدهم ويقيمون صلواتهم بأذان مسموع، ويصلون الأعياد بخطبة يدعون فيها للخليفة العباسي، ولهم قاض يرفعون إليه شكواهم، ويقبلون أحكامه، كما أنهم هم التجار في الأسواق … وهذه الصورة هي الحسنة التي كان يجب أن يكون عليها حال المسلمين على الدوام في ظل الحكم النورماني.