ووصلت المذابح إلى الأرياف، والغابات والجبال، حيث هرب المسلمون إليها، ولحق بهم المسيحيون وقتلوهم ولم يراعوا في قتلهم عمراً ولا جنساً (106) .
هذا ما حدث للمسلمين في عهد غليالم الأول عندما كشر أولئك المتعصبون عن أنيابهم وأظهروا حقدهم على المسلمين ممثلاً في القتل والتعذيب
ومع ذلك فقد بقي في جيش غليالم الأول عدد كبير من المسلمين تمكنوا في نهاية المطاف من قمع الثورة (107) .
وتنتهي حياة غليالم الأول في سنة 562هـ /1166م، وبوفاته تتضح صورة من صور تعلق المسلمين بالحكام النورمان، حيث يطمع المسلمون في حمايتهم والتقدم في دولتهم، لأن الحاقدين كثيرون، والحاكم هو خير من يستطيع ضبط الأجناس المختلفة، وعدم تعدي بعضها على بعض.
وتلك الصورة هي ما أقدم عليه النساء المسلمات في مدينة بلرم حين توفي غليالم الأول، حيث لبسن الثياب الخشنة، ونشرن شعورهن، وملأن الفضاء بعويلهن، ورددن المراثي الشجية على نغمات الطنبور (108) . ومع ما في هذه الصورة من محاذير شرعية فإن لها دلالتها فيما يتعلق بالعلاقة بين المسلمين والبيت الحاكم في صقلية.
وينتقل الحكم في صقلية إلى غليالم الثاني (562 – 585هـ /1166-1189م) وذلك بعد وفاة والده غليالم الأول وقد كان صغير السن حيث لم يبلغ سن الرشد، وتولت والدته الملكة مارغريت الوصاية على العرش؛ واتخذت رجلاً يسمى أسطفان، مستشاراً لها، والذي قام بمحاولة إعادة التوازن إلى جزيرة صقلية.
وقد هدأت النفوس أيام غليالم الثاني حتى أصبح عهده مضرب المثل في الهدوء والسكينة، حتى قيل (إن غابات صقلية في أيامه أكثر أمناً من المدن في البلاد الأخرى) (09 (1) .
والحديث عن الوجود الإسلامي بجميع مظاهره في عهد غليالم الثاني، يرجع الفضل فيه إلى الرحالة ابن جبير الذي زار صقلية في سنة 580هـ /1185م، وقدم لنا صورة مفصلة عن حياة المسلمين هناك، ولذلك سوف نستعرض وبإيجاز بعض ماله علاقة بموضوعنا من خلال رحلة ابن جبير، في حالتي التسامح والاضطهاد.
فقد أشار ابن جبير إلى حال المسلمين في عصر غليالم الثاني، وأنهم باقون على أملاكهم وضياعهم، والسيرة حسنة بين المسلمين والنصارى، عبدة الصلبان (110) .
وهنا يذكر ابن جبير أن المسلمين يدفعون إتاوة للنصارى في فصلين من العام (111) . وفي تصوري أن هذا انعكاس للموازين فالمسلمون كانوا يأخذون من غيرهم الإتاوات، وهم الأعلون، ولكن تبدل الحال هنا في صقلية.
وقد آلم ذلك الوضع ابن جبير حيث قال: (وحالوا – أي النصارى – بينهم وبين سعة في الأرض كانوا يجدونها والله عز وجل يصلح أحوالهم ويجعل العقبى لهم) (112) .
وينتقل بعد ذلك إلى الحديث عن الملك النورماني غليالم الثاني، فيقول عنه: (وشأن ملكهم هذا عجيب في حسن السيرة واستعمال المسلمين، واتخاذ الفتيان المجابيب) (113) . ويضيف قائلاً: إنه (كثير الثقة بالمسلمين، ساكن إليهم في أحواله والمهم من أشغاله، حتى أن الناظر في مطبخه رجل من المسلمين، وله جملة من العبيد السود المسلمين وعليهم قائد منهم، ووزراؤه وحجابه الفتيان، وله منهم جملة كبيرة، هم أهل دولته، والمرتسمون بخاصته وعليهم يلوح رونق مملكته، لأنهم متسعون في الملابس الفاخرة والمراكب الفارهة) (114) .
ولذلك فقد كان له الجواري من المسلمات؛ واتخذ عيون دولته كذلك من المسلمين (115) .
ويشير ابن جبير ومن خلال وصفه لمدن جزيرة صقلية إلى كثرة المساجد بها، وأن بعضها كان محاضر لتعليم الصبيان القرآن (116) ، مما يشير إلى وجود عدد كبير من المسلمين في جميع مدن صقلية.
وقد كان الملك النورماني غليالم الثاني يقرأ ويكتب العربية، كما أنه اتخذ علامة هي (الحمد لله حق حمده) ، كما أنه سك عملة نقدية كتب على أحد وجهيها كلمة (الله) وتحت كملة (الله) كتب، غليالم الثاني (117) .