ولكن يذكر لنا ابن جبير وأثناء تقديمه لهذه الصورة الحسنة، صورة أخرى لاشك وأن لها دلالة خاصة، وتلك الصورة أنهم كانوا لا يؤدون صلاة الجمعة، والسبب أن الخطبة محظورة عليهم (127) .
وفي تصوري أن منعهم من الخطبة يوم الجمعة، لما تتضمنه الخطبة في الغالب من ذكر لأحوال المسلمين، وتتبع الخطيب لمجريات الأحداث، أي أحداث الساعة، وبالتالي قد ينتقد وضع معين قام به النورمان، فتكون النتيجة استحثاث همم المسلمين لمقاومة السيطرة النورمانية على جزيرة صقلية، أو على الأقل إثارة قضية معينة تصعب السيطرة عليها، ولذلك قرر النورمان حظر خطبة الجمعة على المسلمين؛ وهذا فيه تعطيل كبير، وحرمان للمسلمين من عظمة ذلك اليوم، واجتماعهم فيه، ومناقشة أحوالهم، والنظر في متطلباتهم وطموحاتهم.
ومن أعجب ما ذكره ابن جبير عن المسلمين في صقلية هذه الصورة التي سأذكرها، وأترك التعليق لمن يقرأها. قال: (ومن أعجب ما شاهدناه من أحوالهم التي تقطع النفوس إشفاقاً وتذيب القلوب رأفة وحناناً، أن أحد أعيان هذه البلدة – يقصد طرابنش – وجه ابنه إلى أحد أصحابنا الحجاج، راغباً في أن يقبل منه بنتاً بكراً صغيرة السن، فإن رضيها تزوجها، وإن لم يرضها زوجها ممن رضي لها من أهل بلده … وهي راضية بفراق أبيها وإخوتها طمعاً في التخلص من هذه الفتنة، ورغبة في بلاد المسلمين، فطاب الأب والأخوة نفساً لذلك لعلهم يجدون السبيل للتخلص إلى بلاد المسلمين بأنفسهم، إذا زالت هذه العقلة المقيدة عنهم، فتأجّر هذا الرجل المرغوب إليه بقبول ذلك، وأعنّاه على استغنام هذه الفرصة المؤدية إلى خيري الدنيا والآخرة، وطال عجبنا من حال تؤدي بإنسان إلى السماح بمثل هذه الوديعة المعلقة من القلب، وإسلامها إلى يد من يغر بها، واحتمال الصبر عنها، ومكابدة الشوق إليها والوحشة دونها … وذلك رغبة في الإسلام واستمساكاً بعروته الوثقى) (128) .
ابن جبير وزعيم المسلمين في صقلية:
سبق وأن أشرنا أن ابن قلاقس الأديب الاسكندري ألّف كتابا لزعيم المسلمين في صقلية بعنوان (الزهر الباسم في أوصاف أبي القاسم) ، وهذا الزعيم هو أبو القاسم بن محمد بن حمود، وينتسب إلى بيت عربي إسلامي كانت له السيادة قبل سقوط صقلية على بعض مدنها، واحتفظ بتلك المكانة بعد السقوط بما له من أملاك ومكانه، والسيادة هنا أسمية وشرفية، ولها وقعها المباشر على المسلمين.
وقد لقي هذا البيت معاملة حسنة من جانب النورمان بداية حيث استسلم على شروط الأمان والاطمئنان إلى الإسلام وضمان حقوق من معهم من المسلمين (129) .
ولكن الأحوال ساءت مع المسلمين، وبالتالي لابد أن تسوء مع رئيس البيت الحمودي وزعيم المسلمين في صقلية وخير من يدلنا على تلك الأحوال ابن جبير الذي التقى بزعيم المسلمين، حيث كان اللقاء في (طرابنش) إحدى مدن جزيرة صقلية سنة 580هـ / 1185م.
وقد بدأ ابن جبير يذكر مآثر الرجل ومناقبه وصفاته ومكانته في صقلية، فقال: (ووصل هذه الأيام إلى هذه البلدة زعيم أهل هذه الجزيرة من المسلمين وسيدهم القائد ابو القاسم بن حمود، المعروف بابن الحجر، وهذا الرجل من أهل بيت بهذه الجزيرة توارثوا السيادة كابراً عن كابر، وقرر لدينا مع ذلك أنه من أهل العمل الصالح مريد للخير محب في أهله كثير الصنائع الأخروية من افتكاك الأسارى، وبث الصدقات في الغرباء والمنقطعين من الحجاج، إلى مآثر جمة ومناقب كريمة) (130) .
وتظهر مكانة الرجل لدى عامة المسلمين من قول ابن جبير (وارتجت هذه المدينة لوصوله) (131) .
ثم يحدثنا ابن جبير بعد ذلك عن حالته مع الملك النورماني غليالم الثاني الذي يصفه بالطاغية، فيقول: (وكان في هذه المدة تحت هجران من هذه الطاغية ألزمه داره بمطالبة توجهت عليه من أعدائه افتروا عليه فيها أحاديث مزورة نسبوا إليه فيها مخاطبة الموحدين أيدهم الله فكادت تقضي عليه) (132) .