وبتألف الأدريسي لكتابه (نزهة المشتاق) تتحقق رغبة روجر النورماني منه، وهي ما أشار إليها الادريسي من أنه كان يريد معرفة حقيقة البلاد التي تحت سيطرته وحدودها وكل ما يتعلق بها إضافة إلى معرفة غيرها من البلدان والأقطار، إذ يقول: (لما اتسعت أعمال مملكته، وتزايدت همم دولته، وأطاعته البلاد الرومية … أحب أن يعرف كيفيات بلاده حقيقة، ويقتلها يقينا وخبرة، ويعلم حدودها ومسالكها براً وبحراً … مع معرفة غيرها من البلاد والأقطار في الأقاليم السبعة ….) (73) .
وقد مجد الادريسي في مقدمته، روجر الثاني النورمندي، ووصفه بأوصاف ولقبه بألقاب لا تكون إلا لخلفاء الإسلام، وقد ظهرت فيها المبالغة واضحة جلية، ومن ذلك قوله: (فإن أقل ما عني به الناظر، وأشعل الأفكار والخواطر، ما سبق إليه الملك المعظم رجار المعتز بالله، المقتدر بقدرته، ملك صقلية … الناصر للملة النصرانية، إذ هو خير من ملك الروم بسطاً وقبضاً ….) (74) . وقوله: (فمن بعض معارفه السنيه، ونزعاته الشريفة العلوية أنه لما أتسعت أعمال مملكته …) (75) .
وكتاب (نزهة المشتاق) الذي جعلناه خير مثال للوجود الثقافي الإسلامي في صقلية في عهد روجر الثاني، هو بحق أفضل مؤلف جغرافي تلتقي فيه الجغرافيا القديمة بالجغرافيا الحديثة، فمعلومات الإدريسي فيه دقيقة جداً لدرجة تدعوا إلى الإعجاب، ولذلك لم يكن غريباً، أن يطلق عليه اسم (استرابون العرب) (76) .
كما أن هذا الكتاب القيّم ظل ولعدة قرون هو المصدر الأساسي للكثير من المعلومات الجغرافية، وذلك لأنه تضمن وصفاً لمناطق كان هو الرائد فيها بين كتب الجغرافيين المسلمين، وعليه اعتمد اللاحقون فيما كتبوا.
وهو أعظم موسوعة جغرافية خرجت من صقلية في القرون الوسطى، وأوفى كتاب جغرافي تركه لنا المسلمون لاشتماله على ما وصل إليه علم الأقدمين، إضافة إلى ما أطلع عليه الادريسي بنفسه، أو ما وصل إليه من دراسات ومشاهدات وخبرات، وما رواه السياح (77) .
جاء في دائرة المعارف الفرنسية عن كتاب الادريسي أنه: (أو فى كتاب جغرافي تركه لنا العرب، وأن ما يحتويه من تحديد المسافات والوصف الدقيق، يجعله أعظم وثيقة علمية جغرافية في القرون الوسطى) (78) .
يقول روم لاندو: (إن ما يعتقده الغربيون اليوم، أن ما يتعلق بكروية الأرض، وبعض الأمور الجغرافية الأخرى كاكتشاف منابع النيل، هو من اكتشاف الغرب، فذلك ليس صحيح، فقد سبقهم إلى ذلك الادريسي في العصور الوسطى) (79) .
ونستمر في ذكر شهادات الغرب عن كتاب الادريسي حيث يقول سيديو: (على مدى ثلاثمائة وخمسين عاماً ظل رساموا الخرائط الأوربيون لا يفعلون شيئاً سوى إعادة نسخ هذا الكتاب مع بعض التغييرات الطفيفة) (80) .
والغرب لم يعرف الجغرافيا المؤسسة على المراقبة والتجربة، فالأرض عندهم ترسم على أنها قطعة من الأرض يحيط بها بحر عالمي، وفي وسطها تقع الجنة، كما تمليها عليهم خرائط الأديرة، إلى أن خرج معلم الغرب من قصور ملوك صقلية، فأصبح نموذجاً يهتدي به (81) .
ولولا الخبرات الملاحية التي ورثتها الغرب عن العرب، ومفهوم كروية الأرض، لما استطاع كولمبس المخاطرة في حوض الأطلنطي، أو خطر له مجرد تصور فكرة هذه الرحلة (82) .
ونحن عندما نذكر تلك المقولات عن كتاب الادريسي فإننا نؤكد أن ذلك كان عملاً ضخماً من ثمار الوجود الإسلامي في صقلية في العهد النورماني، ونتيجة من نتائج تبني البلاط النورماني للعلماء المسلمين، وإكرامهم وتمكينهم من إظهار علومهم ومعارفهم.
ونختم الحديث عن الادريسي بالإشارة إلى أنه لم يكن جغرافيا فحسب، بل ألف وهو في ظل الحكم النورماني كتاباً في النبات والأعشاب، سماه، (جامع الصفات لأشتات النبات) (83) ، وهو كتاب درس فيه كثيراً من النباتات وخاصيتها العلاجية. كما أنه له كتاب آخر عرف باسم (الأدوية المفردة) (84) .