ومن هنا يتضح لنا أنه ألف في الطب وبالتالي فإنه يعد موسوعة جغرافية، طبية، كما هو حال كثير من علماء المسلمين الذين لا يؤمنون بالتخصص الضيق، بل إن أحدهم يصعب تصنيفه في مجال معين.
ويحتضن البلاط النورماني في عهد روجر الثاني عدداً من العلماء المسلمين حيث أغراهم بالبقاء لديه، وأكرمهم واستفاد من علومهم ومعارفهم.
ومن هؤلاء ذلك العالم المغربي – الذي نسى اسمه ابن الأثير – كما قال – والذي كان يحضره روجر، ويرجع إلى قوله، ويقدمه على من عنده من الرهبان والقسيسين، وذلك لثقته الكبيرة فيه (85) .
ومنهم الأديب ابن قلاقس الاسكندري (86) الذي جاء إلى البلاط النورماني حيث أجزلت له العطايا، ومدح روجر الثاني بعدة قصائد، فأكرمه على عادة الخلفاء والسلاطين والأمراء المسلمين.
واستغل ابن قلاقس وجوده في صقلية ليؤلف كتاباً لزعيم المسلمين في صقلية في ذلك الوقت، أبي القاسم ابن حجر (87) ، تحت عنوان (الزهر الباسم في أوصاف أبي القاسم) وهو كتاب قال عنه ابن خلكان أنه (أجاد فيه، وذكر فيه أسماء وتراجم الكثير من الشعراء المسلمين المقيمين في صقلية) (88) .
ومن مظاهر الوجود الثقافي للمسلمين في صقلية، أن بلاط روجر الثاني النورماني احتضن عدداً من الشعراء المسلمين، أشارت المصادر إلى بعضهم، وأتلفت كثيراً من إنتاجهم الشعري الذي قيل في مدح ملوك النورمان، حتى لا ينقلوا إلى الأجيال تراثاً جاء في مدح ملك من ملوك النصارى، كما فعل العماد الأصفهاني في كتابه (خريدة القصر وجريدة العصر) الذي لم يثبت كثيراً من تلك الأشعار.
ومن أولئك الشعراء عبد الرحمن رمضان المالطي، والذي يعرف بالقاضي، قال عند العماد (ومعظم شعره في مدح روجار الإفرنجي المستولي على صقلية، يسأله العودة إلى مالطة، ولا يحصل منه إلا على المغالطة) (89) .
ولم يذكر له شيئاً من شعره في مدح روجر، بل ذكر له نماذج أخرى في بعض أغراض الشعر.
ومنهم أيضاً عبد الرحمن بن محمد بن عمر البثيري الصقلي، والذي وصفه العماد بأنه: (حامل القرآن ومساجل الأقران) (90) .
وأورد له قصيدة في مدح روجر النورماني، ووصف المباني العلية بصقلية.
ومنها قوله (91) :
أدر الرحيق العسجديه
وصل أصطباحك بالعشيه
واشرب على وقع المثا
ني والأغاني المعبديه
ما عيشه تصفو سوى
بذرى صقلية هنيه
في دولة أربت على
دول الملوك القيصريه
ومنها أيضاً (92) :
وقصور منصورية
حط السرور بها المطيه
أعجب بمنزلها الذي
قد أكمل الرحمان زيه
والملعب الزاهي على
كل المباني الهندسيه
والقصيدة طويلة كما ذكر العماد الأصفهاني الذي اقتصر على بعضها لأنها: (في مدح الكفار) (93) فما أثبتها.
ومن الشعراء المسلمين في العهد النورماني، أبو الضوء سراج بن أحمد بن رجاء الكاتب، والذي وصفه العماد بأنه: (صحيح التصور، صادق التبجيل، سديد الرأي، حاد الخاطر، وأن شعره بديع الحوك، رفيع السلك) (94) .
وذكر له بعضاً من قصيدة طويلة في رثاء ولد روجر، قال في أولها:
بكاء وما سالت عيون وأجفان
شجون وما ذابت قلوب وأبدان
خبا القمر الأسنى فأظلمت الدنا
وماد من العلياء والمجد أركان (95)
والقصيدة في مجملها فيها تمجيد لابن روجر، وبكاء عليه، وحرقة أكباد، ومرض نفس، فرأيت أنه من الأولى الاكتفاء بما أشرنا إليه منها.
على أنه من المعلوم أن الهدف من ذكر ذلك كله هو أن الشعراء المسلمين كانوا يعيشون في ظل حكم النورمان ومنحوا حرية الكلمة، وبالتالي امتدحوا ومجدوا أولياء نعمتهم، ومن يعيشون في كنفهم.
تحول السياسة النورمانية تجاه المسلمين:
في ختام حديثنا عن عهد روجر الثاني – يجدر بنا أن نتحدث عن الوجه الآخر لسياسته تجاه المسلمين، فهي ليست على كل الأحوال ذات تسامح، بل اعتراها بعض الاضطهاد، ويشترك في ذلك الاضطهاد الحكام وعامة الشعب من غير المسلمين.