كما أستخدم روجر وأتباعه المظلة، التي اختص بها بنو عبيد الله، وهي شبه درقه في رأس رمح، محكمة الصنعة، يمسكها فارس من الفرسان، يعرف بها، فيقال له: صاحب المظلة، فيحاذي بها الملك من حيث كانت الشمس ليقيه حرها (63) .
شخصيات علمية وأدبية في بلاط النورمان:
يعد الأدريسي من أعظم الشخصيات العلمية المسلمة التي مثلت الوجود الإسلامي في صقلية بعد سقوطها، وذلك لشهرته الجغرافية، فهو أعظم الجغرافيين المسلمين في العصور الوسطى.
واحتضن بلاط روجر الثاني الشريف الأدريسي. والمصادر لم تمدنا بمعلومات عن كيفية وصوله إلى بلاط روجر وكل ما أفادتنا به أنه استدعاه ليصنع له صورة الأرض، ويؤلف له كتاباً في شرحها.
ولا نعلم كيف سمع به روجر، فإن الإدريسي لم يشتهر بالجغرافية قبل أن يستدعيه روجر، فهو لم يؤلف فيها قبل ذلك كتاباً، ولا سمع أحد في بلاد المسلمين نفسها أنه متضلع فيها، وكل الذي نعرفه من خلال المصادر أنه رحل إلى الشرق، وعاد إلى المغرب، ودخل الأندلس ودرس في قرطبة، ثم ظهر في صقلية لدى حاكمها روجر الثاني النورماني (64) .
ولعل المخرج من هذا أن روجر قد عرف الأدريسي معرفة شخصية من خلال البيت العربي المسلم الذي يرجع إلى الأدارسة العلويين، والمقيم في صقلية؛ وهذا البيت يعرف أفراده بالحموديين، وهم من نفس بيت بني حمود الذي ينتسب إليه الشريف الادريسي (65) .
والحموديون هم الذين كان لهم سلطان كبير على بعض مدن صقلية مثل (جرجنت) و (قصريانه) ؛ وهم أيضاً الذين قاوموا النورمان في اللحظات الأخيرة قبل استيلائهم على جزيرة صقلية (66) .
وقد اهتم روجر الثاني بالشريف الإدريسي اهتماماً كبيراً، فأكرم نزله، وبالغ في تعظيمه، ورغبة في المقام عند قائلاً له: (أنت من بيت الخلافة، ومتى كنت عندي أمنت على نفسك، ومتى كنت عند المسلمين عمل ملوكهم على قتلك) (67) .
وقد أجابه الادريسي إلى ذلك، (ورتب له كفاية لا تكون إلا للملوك) (68) بل تعدى الأمر ذلك فيجلس الادريسي مكان روجر، حيث يتنحى عنه الأخير له (فيأتي الادريسي إلى روجر راكباً بغلة، فإذا صار عنده تنحى له عن مجلسه) (69) .
وباستقرار الادريسي في بلاط روجر يبدأ في تحقيق رغباته، فيصنع له خريطة كروية للأرض من الفضة.
وتذكر المصادر، أن روجر الثاني النورماني كان قد أعطى للادريسي وزن أربع مائة ألف درهم من الفضة ليضع له دوائر فلكية؛ فلما أتم صنعها الادريسي أعجب بها روجر. ولما كان صنعها لم يأخذ إلا ثلث تلك الفضة أو أكثر بقليل، فقد منح روجر الباقي كله للادريسي، بل أضاف إلى ذلك حمولة مركب جاء من برشلونة ببضائع ملكية (70) .
وتلك الخريطة الضخمة الكروية للأرض التي صنعها الادريسي، هي ما حدت بروجر الثاني، أن يستدعى الصناع المهرة لينقشوا عليها صور الأقاليم السبعة ببلادها وأقطارها، وريفها، وخلجانها، وبحارها، ومجاري مياهها ومواقع أنهارها، وعامرها، وغامرها، وما بين كل بلد وبلد من الطرقات المطروقة، والأميال المحدودة والمسافات المشهودة، والمراسي المشهورة …. . (71)
أما خير مثال للوجود الثقافي الإسلامي في عهد روجر الثاني، فهو ذلك العمل الضخم، الذي قام به الادريسي بتأليف كتابه (نزهة المشتاق في اختراق الآفاق) .
والكتاب إلى جانب أنه تحقيق لإحدى رغبات روجر الثاني، فهو نتيجة من نتائج تلك الخريطة الضخمة الكروية للأرض التي صنعها الادريسي كما نص على ذلك الادريسي في مقدمته إذ أنه (كتاب مطابق لما في أشكالها وصورها ويزيد عليها بوصف أحوال البلاد والأرضين في خلقها وبقاعها، وأماكنها، وصورها، وبحارها، وجبالها ومسافاتها ومزروعاتها وغلاتها، وأجناس بنائها وخواصها، والاستعمالات التي تستعمل بها، والصناعات التي تنفق بها والتجارات التي تجلب إليها ….) (72) .