... وقد سبق أن أوردت في حجج منكري المجاز ومناقشتهم للمثبتين له شيئا من ذلك بما يغني عن الإعادة (90) .
... وقد ذكر الأصوليون عددا من الأمثلة من القرآن على إثبات المجاز وحيث إن كثيرا منها يتعلق بصفات الباري جل وعلا، فإن ادعاء المجاز فيها يقتضي نفي حقيقتها، وتعطيل دلالتها على إثبات صفات الكمال لله عز وجل، التي أثبتها لنفسه في كتابه، وأثبتها له رسوله (، وسار عليها سلف هذه الأمة، وقد عرف عن بعضهم سلوكه مذهب الأشاعرة في العقيدة، لذا فقد وقعوا في تأويل بعض النصوص عن حقيقتها، بدعوى المجاز، ولاسيما في آيات الصفات وتلك عقيدة المخالفين لمنهج أهل السنة والجماعة في إثباتهم الصفات لله، كما جاءت، وإقرارها كما وردت، بدون تأويل، ولا تعطيل ولا نفي لحقيقتها، ولا ادعاء كونها مجازا.
... وإليك بعض الأمثلة التي ذكروها عفا الله عنهم تعد شواهد من كلامهم تبين خطورة القول بالمجاز في هذا المجال.
... المثال الأول: قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (91) .
.. وهذا المثال ذكره بعض الأصوليين لإثبات المجاز في القرآن (92) ، فعلى هذا المذهب أن في الآية مجازا يكون المعنى: أن الله منور السموات والأرض بالنور المخلوق أو هادي أهلها.
... والحق عند أهل السنة أن الآية على حقيقتها، لا مجاز فيها، وأن من أسمائه تعالى النور، وهو اسم تلقته الأمة بالقبول، وأثبت في الأسماء الحسنى ولم ينكره أحد من السلف، ومحال أن يسمي الله نفسه نورا، وليس له نور ولا صفة النور ثابتة له، وقد جاءت الأحاديث الصحيحة بإثباتها على حقيقتها (93) .
... المثال الثاني: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ ... ﴾ (94) الآية.
... هذا المثال ذكره بعضهم لإثبات المجاز في القرآن، مع اختلافهم في معنى ايذاء الله تعالى.
... فيرى بعضهم أن معنى إيذاء الله: إيذاء رسوله (95) .
... ويرى آخرون أن معنى إيذاء الله: إيذاء أوليائه (96) .
... والذي اضطرهم إلى هذا التأويل الواضح ادعاؤهم المجاز فيها.
... والحق: أن كلا التفسيرين ليس صحيحا، بل تحمل الآية على حقيقتها وتجرى على ظاهرها، ويكون المعنى الصحيح لإيذاء الله: الكفر به، ومخالفة أوامره، وارتكاب زواجره، واتخاذ الأنداد والشركاء له، وتكذيب رسله عليهم الصلاة والسلام (97) ، ويدل على ذلك المعنى حديث "ليس أحد أصبر على أذى سمعه من الله، إنهم ليدعون له ولدا، ويجعلون له أندادا، وهو مع ذلك يعافيهم ويرزقهم" (98) .
... وأما تفسير من أوله بأنه إيذاء رسوله فهو مردود، بما ذكر، ثم إن الله نص في الآية نفسها على إيذاء الرسول بعد ذكره إيذاءه، فقال: ﴿إن الذين يؤذون الله ورسوله﴾ فيكون الكلام على هذا القول مكررا وهذا محال لمنافاته الأسلوب الصحيح، والتعبير السليم، الذي جرى عليه كتاب الله.
... وأما تفسير من قال بأنهم يؤذون أولياءه فهو غير صحيح من جهتين:
... الأولى: ما ذكر سابقا من المعنى الصحيح في الآية.
.. الثانية: أن الآية نفسها فيها ذكر للرسول، وللمؤمنين والمؤمنات وهم أولياء الله، فيكون في الكلام تكرار لا يليق بكتاب الله، ولو قيل به لحصل المحظور، وهو صرف الآية عن ظاهرها، وتأويلها على غير حقيقتها، والوقوع في التكرار الممنوع الذي يجعل المعطوف عليه بمعنى المعطوف فيكون معنى لفظ الجلالة "الله" بمعنى لفظ "الرسول" وبمعنى لفظ "المؤمنين"، وهذا غير مراد قطعا.
... المثال الثالث والرابع: قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ (99) ، و ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ (100) .
... فهذان مثالان ذكرهما بعض الأصوليين لإثبات المجاز في القرآن (101) وليس الأمر كذلك، فلا مجاز في هذه الآيات وأمثالها، بل هي على حقيقتها، عند أهل السنة والجماعة، لأن مسميات هذه الأسماء إذا فعلت بمن لا يستحق العقوبة كانت ظلما له، وأما إذا فعلت بمن فعلها بالمجني عليه، عقوبة له بمثل فعله، كانت عدلا، كما قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ (102) فكاد له كما كاد له إخوته لما قال له أبوه ﴿لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ (103) .