تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

... تلك أهم المناقشات التي أوردها الجمهور على القائلين بنفي المجاز وإنكاره (82) .

... سادسا: أما التفصيل بين ما فيه حكم شرعي وما ليس فيه فيمنع في الأحكام الشرعية لما يترتب عليه من لوازم غير صحيحة، فالأحكام الشرعية مبنية على القرآن والسنة بلفظ العرب ولغتهم، فالأيمان والنذور والمعاملات والنكاح والطلاق ونحوها لا مجاز فيها، أما ما ليس فيه حكم شرعي فالأمر فيه واسع بحمد الله. والله أعلم (83) .

سابعا: الراجح ووجه ترجيحه مما سبق من عرض المذاهب، والأدلة والمناقشات، أرى صعوبة الترجيح في هذه المسألة وإن كنت أميل إلى التفصيل على حسب الضوابط الشرعية وأهمها:

(1) ألا يكون في القرآن والسنة.

(2) ألا يكون في الاعتقاد لاسيما صفات الله سبحانه.

(3) ألا يكون طريقا إلى تأويل النصوص وردها والتنصل من الأحكام الشرعية.

... والذي يظهر لي إذا دون تعصب ولا تقليد رجحان القول بعدم المجاز، لاسيما في كتاب الله عز وجل وسنة رسوله (، لقوة أدلة المانعين، وضعف أدلة المجيزين مما ورد عليها من المناقشات القوية، التي أوهنتها.

... ولما يلزم على القول بالجواز المطلق من لوازم غير سديدة، كتعطيل صفات الكمال لله جل وعلا بحجة المجاز وتأويل النصوص على حسب الأهواء بهذه الحجة، ولعدم الضوابط السليمة التي يعرف بها ما قسموه، مما يوهن القول به ولما يترتب على التفريق بين ما قسموه، من جواز نفي بعض كلمات القرآن والسنة، لأن المجاز يجوز نفيه وهذا باطل قطعا.

.. ونحو ذلك مما تقدم عند أدلة المانعين، ومناقشتهم للمجيزين فيصار إلى القول بأن ما سموه بالمجاز يسمى أسلوبا من أساليب العرب المشهورة، التي درجت عليها وعرفت عنها، فالحاصل أن الراجح هو التفصيل والقول بجواز المجاز بالضوابط الشرعية، فما يتعلق بالاعتقاد والصفات وكلام الله فلا مجاز فيه بل كله حقيقة، أما المجاز فيما دون ذلك فأمره يسير بحمد الله.

المبحث الثالث: هل للخلاف في المجاز ثمرة؟

بعد عرض الخلاف في المسألة ظهر لي أن الخلاف بين المانعين والمجيزين خلاف حقيقي ليس لفظيا وإن لم يترتب عليه كبير فائدة في الفروع بشرط ألا يتخذ القول بالمجاز ذريعة لتعطيل شئ مما جاء به الشرع.

فالأمثلة السابقة المضروبة لهذه المسألة، يطلق عليها المجيزون مجازا ويطلق عليها المانعون أساليب عربية، تكلمت بها العرب، وهي حقيقة في معناها، لا تجوز فيها.

ولهذا فقد أنكر المانعون كون الخلاف لفظيا (84) ، لأنهم لم يسلموا أصلا بصحة التقسيم.

قال شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله: "وتقسيم اللغة إلى حقيقة ومجاز تقسيم مبتدع، محدث لم ينطق به السلف، والخلف فيه على قولين وليس النزاع فيه لفظيا، بل يقال: نفس هذا التقسيم باطل، لا يتميز هذا عن هذا ... " (85) .

... ومن أثبت صحة التقسيم نفى أن يكون هناك ثمرة عملية لهذا الخلاف وإنما ينحصر الخلاف في العبارة، والتسمية.

... قال ابن قدامه (86) رحمه الله بعد إثباته المجاز وتمثيله له: "ومن منع فقد كابر، ومن سلم وقال لا أسميه مجازا، فهو نزاع في عبارة، لا فائدة في المشاحنة فيه، والله أعلم" (87) .

... قال الشارح (88) معلقا على كلام ابن قدامه هذا بعد أن ذكر المانعين:

.. "ولما كان هؤلاء من العلم بمكان معروف، تردد المصنف في الأمر فجعل ذلك إما مكابرة، وإما نزاعا في عبارة وأقول: لا مكابرة، وإنما الصواب الثاني وشرح القول في ذلك ثم قال: "وحاصل الأمر تعذر معرفة تقدم وضع على وضع، فلا مجاز بالمعنى الذي قالوه، بل الكل موضوع، فرجع إلى أنه نزاع في العبارة" (89) .

المبحث الرابع:

أثر القول بالمجاز على النصوص الشرعية وتعقيب على أشهر الأمثلة التي ذكرها بعض الأصوليين للمجاز

... لقد كان للقول بالمجاز على إطلاقه أثر عظيم وخطير على الموقف الصحيح الذي يجب اتخاذه حيال النصوص الشرعية حيث يجب إثباتها على حقيقتها دون تحريف لها عن معانيها الحقيقية لاسيما فيما يتعلق بالأسماء والصفات.

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ١١٦٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ١١٦٤