تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

... أحدهما: أن المراد بالإرادة هنا إرادة حقيقية، لأن للجمادات إرادة حقيقية، لا نعلمها، وإنما يعلمها الله عز وجل ومما يؤيد ذلك سلام الحجر على الرسول ((69) ، وحنين الجذع الذي كان يخطب عليه لما تحول عنه إلى المنبر (70) ، وهذا كله ناشئ عن إرادة يعلمها الله تعالى وإن لم نعلمها، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ (71) . وأمثال ذلك كثير في الكتاب والسنة.

... الثاني: أن الإرادة تطلق على معان عدة، منها: المعنى اللغوي المعروف، ومنها: مقاربة الشئ، والميل إليه فيكون معنى إرادة الجدار ميله إلى السقوط، وقربه منه، وهذا أسلوب عربي معروف، وبه ينتفي ادعاء المجاز في الآية (72) .

وأما قوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ﴾ (73) فلا مجاز فيه كذلك، بل هو من إطلاق اسم المحل على الحال فيه وعكسه، وهذا أسلوب من أساليب العربية المشهورة، وكلاهما حقيقة في محله (74) . كما سبق نظيره في القرية، والنهر ونحوها.

... فحاصل الجواب على هذه الأمثلة التي ادعي فيها المجاز أن يقال: إن ذلك أسلوب من أساليب العرب على حقيقته.

... وقد استدل المانعون لوجود المجاز في اللغة والقرآن، بأدلة كثيرة، وناقشوا أدلة المجيزين بمناقشات طويلة وبينوا ما يلزم على القول بالمجاز من لوازم كثيرة.

... وقد كان من رواد هذا القول، والمتصدين لمخالفيه شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله، فقد تكلم عنه في مواضع متعددة، وشنع على القائلين به، ودحض حججهم (75) .

.. وتبعه في ذلك تلميذه العلامة ابن القيم رحمه الله، فقد تصدى لرد هذا القول، ووصفه بالطاغوت، وناقشه من خمسين وجها، بل أكثر (76) .

... وسار على ذلك عدد من المتقدمين (77) ، وجمع من المتأخرين (78) .

... ومما ينبغي ذكره في هذا المقام، أن السلف كما قدمت (79) ، لم يعرفوا هذا المجاز بهذا المعنى الاصطلاحي المتأخر ولذا فلا يرد عليه عدم نقل إنكار المجاز عنهم.

... وبعد القرون المفضلة، ظهر هذا التقسيم، وأنكره عدد من العلماء ومنعوا وقوعه، إما مطلقا أمثال الأستاذ أبي أسحق الاسفرائيني، وهو من كبار الشافعية، وأبي علي الفارسي، وهو من كبار أهل اللغة.

... وإما منعوا وقوعه في القرآن خاصة كالظاهرية، وعلى رأسهم داود بن علي، ومن الحنابلة أبو عبد الله بن حامد وغيرهم كما سبق ذكرهم (80) .

... ويؤدي الاستدلال بالمنع في القرآن خاصة إلى المنع في اللغة، والله أعلم (81) .

... رابعا: ومما سبق من الأدلة والمناقشات على منع المجاز في القرآن يدخل فيها المنع في السنة لعموم كونها وحيا من الله تبارك وتعالى.

... خامسا: مناقشة الجمهور لأدلة نفاه المجاز.

... وقد ناقش الجمهور حجج المنكرين وأجابوا عن أدلتهم فمن ذلك:

... أن القول بأن العرب لم تقسم الكلام إلى حقيقة ومجاز فإن أردتم أنهم لم يضعوا هذا الاصطلاح فمسلم وإن أردتم أنه لا يوجد في كلامهم مجاز فغير مسلم بدليل ما ذكرناه من الأمثلة.

... وأما قولكم إن هذا الاصطلاح حادث لم يعرف إلا بعد القرون المفضلة فغير صحيح بل قد تكلم به عدد من الأئمة منهم معمر بن المثنى مما يدل على أنه استعمال قديم وقد يطلقون عليه لفظ الاتساع.

... وأما القول بأن المجاز يخل بالفهم فنحن اشترطنا لصحة القول بالمجاز وجود القرينة التي تمنع الإخلال بالفهم وتبين مراد المتكلم من لفظه.

.. وأما قولكم إن المجاز كذب وأنه يصح نفيه فغير مسلم لأنه وإن جاز نفيه فليس كذبا لأن المنفي هو إرادة المعنى الحقيقي وليس المجازي بدليل القرينة الموضحة للمراد.

... وأما دعوى أن المجاز يلزم عليه وصف الله سبحانه بأنه متجوز ومستعير فغير مسلم لأن الصفات توقيفية.

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ١١٦٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ١١٦٣