المبحث الأول: أقوال العلماء في المجاز
... اختلف العلماء في المجاز بين مجيز ومانع ومفصل، ولقد تتبعت أقوالهم فيه فتحصل لي خمسة مذاهب (30) هي:
... الأول: الجواز والوقوع مطلقا، وإليه ذهب الجمهور (31) .
... الثاني: المنع مطلقا، وإليه ذهب بعض العلماء والمحققين منهم أبو إسحاق الاسفراييني (32) من الشافعية، وأبو علي الفارسي (33) من أهل اللغة.
... وهو قول المحققين من العلماء (34) .
.. القول الثالث: المنع في القرآن وحده، وهو قول بعض العلماء منهم داود بن علي (35) ، ومن الشافعية ابن القاص (36) ، ومن المالكية ابن خويز منداد (37) .
... ومن الحنابلة جمع منهم: أبو الفضل التميمي بن أبي الحسن التميمي (38) ، وأبو عبد الله بن حامد (39) وغيرهم (40) .
... القول الرابع: المنع في القرآن والسنة دون غيرهما (41) .
... وهو قول ابن داود الظاهري (42) .
... القول الخامس: التفصيل بين ما فيه حكم شرعي وغيره، فما فيه حكم شرعي لا مجاز فيه ومالا فلا (43) .
... وإلى هذا التفصيل ذهب ابن حزم الظاهري (44) .
المبحث الثاني: الأدلة والمناقشات والراجح ووجه ترجيحه
أولا: أدلة الجمهور القائلين بجواز المجاز ووقوعه:
... استدلوا بأدلة كثيرة على ذلك، أهمها:
... 1 أن الاسم في لغة العرب منقسم إلى الحقيقة والمجاز، وهذا التقسيم معتبر عند علماء العربية، ومشتهر في استعمالات العرب، والقرآن هو أصل اللغة، ومعينها، فمحال أن يأتي بخلاف ما عليه أهل اللسان العربي، من تقسيم الاسم إلى حقيقة ومجاز.
... 2 أن الأمثلة على وقوع المجاز في القرآن وغيره كثيرة جدا، وهي أشهر من أن تنكر كقوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ﴾ (45) ، ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ﴾ (46) ، ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ﴾ (47) ، وغيرها.
... ووجه الاستدلال من هذه الآيات أنها استعملت في غير ما وضعت له أولا في أصل الوضع. فقوله "جناح الذل" الجناح حقيقة للطائر من الأجسام، والمعاني والجمادات لا توصف به، فإثباته للذل مجاز قطعا.
... والسؤال لأهل القرية، وليس لها، فهو مجاز بالحذف.
... والجدار لا إرادة له، إذ الإرادة حقيقة، من خصائص الإنسان أو الحيوان، وإنما هو كناية عن مقاربته الانقضاض لأن من أراد شيئا قاربه فكانت المقاربة من لوازم الإرادة، فتجوز بها عنها (48) .
ثانيا: أدلة المانعين من وجود المجاز، ومناقشتهم للمجيزين:
... سأورد هنا أدلة المانعين للمجاز سواء في اللغة أم في القرآن وحده أم في القرآن والسنة لتقاربها، وتلافيا للتكرار وفي ثناياها مناقشة المخالف ومنها:
... (أ) أن تقسيم الألفاظ إلى حقيقة ومجاز لم يقع إلا في كلام المتأخرين، فهو اصطلاح حادث بعد انقضاء القرون الثلاثة المفضلة، ولم يتكلم في ذلك أحد من الصحابة والتابعين، ولا أحد من الأئمة المشهورين في العلم من أئمة المذاهب، وغيرهم، بل ولا تكلم فيه أئمة اللغة والنحو المعتبرون.
... (ب) أن علماء السلف الذين ألفوا في ضروب العلم المختلفة، كالفقه، والأصول، والتفسير، والحديث، لم يوجد فيما كتبوه هذا التقسيم.
... وهذا الإمام الشافعي أول من ألف في أصول الفقه لم يتكلم بتقسيم الألفاظ إلى حقيقة ومجاز.
... (ج) أن الذين أطلقوا كلمة المجاز من علماء السلف لم يعنوا بها ما هو قسيم الحقيقة، فأول من عرف أنه تكلم بلفظ المجاز أبو عبيدة معمر ابن المثنى (49) في كتابه "مجاز القرآن"، ولكنه لم يعن بالمجاز ما يقابل الحقيقة وإنما عنى بمجاز الآية ما يعبر به عن الآية.
... وقال الإمام أحمد في كتابه "الرد على الجهمية" في قوله تعالى "إنا" و"نحن" ونحو ذلك في القرآن، هذا من مجاز اللغة ومراده رحمه الله بذلك أن هذا مما يجوز استعماله في اللغة، ولم يرد أنه مستعمل في غير ما وضع له (50) .