(1) الحقيقة اللغوية (الوضعية) .
(2) الحقيقة العرفية.
(3) الحقيقة الشرعية.
... فاللغوية (الوضعية) : هي اللفظ المستعمل فيما وضع له أولا في اللغة، كالأسد المستعمل في الحيوان الشجاع المعروف.
... والعرفية: هي اللفظ المستعمل فيما وضع له بعرف الاستعمال اللغوي وهي ضربان: عرفية عامة وعرفية خاصة.
... فمن الأول: أن يكون الاسم قد وضع لمعنى عام، ثم يخصص بعرف استعمال أهل اللغة ببعض مسمياتة، كاختصاص لفظ الدابة بذوات الأربع عرفا، وإن كان في أصل اللغة لكل مآدب.
.. ومنه: أن يكون الاسم في أصل اللغة بمعنى، ثم يشتهر في عرف استعمالهم بالمجاز الخارج عن الموضوع اللغوي بحيث إنه لا يفهم من اللفظ عند إطلاقه غيره، كاسم الغائط فإنه وإن كان في أصل اللغة للموضع المطمئن من الأرض، غير أنه اشتهر في عرفهم بالخارج المستقذر من الإنسان. حتى إنه لا يفهم من ذلك اللفظ عن إطلاقه غيره.
... ومن العرفية الخاصة ما تعارف عليه أهل كل فن كالحد والرسم عند المناطقة، والرفع والنصب عند النحاة، والكسر والقلب عند الأصوليين ونحو ذلك.
... والحقيقة الشرعية: هي اللفظ المستعمل فيما وضع له في أصل الشرع، كاسم الصلاة، والزكاة، والحج ونحوها (23) .
المطلب السابع: أقسام المجاز، وأمثلته:
... قسم العلماء المجاز إلى أقسام متعددة، أهمها أربعة هي:
(1) مجاز الإفراد.
(2) مجاز التركيب.
(3) المجاز العقلي.
(4) مجاز النقص والزيادة.
... فمجاز الإفراد: هو الكلمة المستعملة في غير ما وضعت له، لعلاقة مع قرينة صارفة عن قصد المعنى الأصلي كإطلاق لفظ الأسد على الرجل الشجاع.
... والتركيب: أن يستعمل كلام مفيد في معنى كلام آخر، لعلاقة بينهما دون نظر إلى المفردات، ومن ذلك جميع الأمثال السائرة، المعروفة عند العرب.
... والمجاز العقلي: هو ما كان التجوز فيه في الإسناد خاصة، لا في لفظ المسند إليه ولا المسند، كقولك "أنبت الربيع البقل"، فالربيع وإنبات البقل كلاهما مستعمل في حقيقته، والتجوز: إنما هو في إسناد الإنبات إلى الربيع، وهو لله جل وعلا.
... وأما مجاز النقص والزيادة: فمداره على وجود زيادة، أو نقص يغيران الإعراب، ويمثلون للنقص بقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (24) ، والمراد أهل القرية.
... ويمثلون للزيادة بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (25) ويقولون إن الكاف زائدة والمراد ليس مثله شئ (26) .
.. وهناك أقسام أخرى كمجاز التقديم والتأخير، وغيره، وليس هذا محل بسطه (27) .
... وينبغي أن يعلم أن أقسام المجاز هذه إنما هي عند الذين يرون المجاز في العربية، وفي القرآن، أما الذين لا يرونه فلا يعتبرون ذلك كله، وسيأتي لهذا الأمر تفصيل في صلب البحث عند ذكر الخلاف في المسألة.
... وقد أتيت بهذه التقسيمات لعلاقتها الوطيدة بالبحث. والله أعلم.
المطلب الثامن: تاريخ نشوء القول بالمجاز:
... المستقرئ للجانب التاريخي لظهور المجاز يجد أن العرب لم يعرف عنهم تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز ولم يذكر عنهم التعبير بلفظ المجاز الذي هو قسيم الحقيقة عند أهل الأصول، وإنما هذا اصطلاح حدث بعد القرون المفضلة.
... يقول شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله: "فهذا التقسيم اصطلاح حادث بعد انقضاء القرون الثلاثة لم يتكلم به أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان ولا أحد من الأئمة المشهورين في العلم ... بل ولا تكلم به أئمة اللغة ... ولا من سلف الأمة وعلمائها وإنما هو اصطلاح حادث ... فإن تقسيم الألفاظ إلى حقيقة ومجاز إنما اشتهر في المائة الرابعة وظهرت أوائله في المائة الثالثة وما علمته موجودا في المائة الثانية" (28) .
... وقال العلامة ابن القيم رحمه الله بعد رده تقسيم اللفظ إلى حقيقة ومجاز: "وهو اصطلاح حدث بعد القرون الثلاثة المفضلة بالنص" (29) .