.. (د) أن الذين قالوا بالتقسيم مطالبون بالدليل لكون الألفاظ العربية وضعت أولا لمعان، ثم بعد ذلك استعملت فيها، ثم تجوز بها عن ما وضعت له ولن يستطيعوا ذلك، لأنه ليس بإمكان أحد أن ينقل عن العرب أنه اجتمع جماعة، فوضعوا جميع الأسماء الموجودة في اللغة، ثم استعملوها بعد الوضع، وإنما المعروف المنقول بالتواتر استعمال العرب هذه الألفاظ فيما عنوه بها من المعاني، وأي دعوى خلاف ذلك فليست صحيحة لعدم نقلها إلينا (51) .
... (هـ) ... أن التقسيم ذاته غير صحيح من وجوه:
(1) أن دعوى المجاز تستلزم وضعا قبل الاستعمال، وهذا غير معلوم.
(2) أنه يستلزم تعطيل الألفاظ عن دلالتها على المعاني، وذلك ممتنع لأن الدليل يستلزم مدلوله من غير عكس.
(3) أن التقسيم لا يدل على وجود المجاز، بل ولا على إمكانه، ولا يدل على ثبوت كل واحد من الأقسام في الخارج ولا على إمكانها، فإن التقسيم يتضمن حصر المقسوم في تلك الأقسام وهي أعم من أن تكون موجودة أو معدومة ممكنة أو ممتنعة.
(4) أن هذا التقسيم يتضمن التفريق بين المتماثلين، فإن اللفظ إذا أفهم هذا المعنى تارة، وهذا تارة، فدعوى المدعي أنه موضوع لأحدهما دون الآخر تحكم محض.
(5) أنه يلزم منه الدور، فإن معرفة كون اللفظ مجازا متوقف على معرفة الوضع الثاني، ومستفاد منه، فلو استفيد معرفة الوضع من كونه مجازا لزم الدور الممتنع، فمن أين علم أن هذا وضع ثان للفظ؟ ومن أين علم أن وضع اللفظ لأحد معنيين سابق على وضعه للآخر؟
(6) أن هذا التقسيم يتضمن إثبات الشئ ونفيه، فإن وضع اللفظ للمعنى هو تخصيص به، بحيث إذا استعمل فهم منه ذلك المعنى فقط، ففهم المعنى المجازي مع نفي الوضع، جمع بين النقيضين، وهو يتضمن أن يكون اللفظ موضوعا غير موضوع.
(7) أن المجاز هو ما يصح أن يقال لقائله إنه فيه كاذب لأنه يخبر بالشئ على خلاف حقيقته فيصح أن يقال لمن قال رأيت أسدا يرمي إنك كاذب حيث لم ير أسدا وإنما رأى رجلا شجاعا. وهذا ظاهر في ضعف تقسيم اللفظ إلى حقيقة ومجاز.
(8) أن هذا التقسيم لا ينضبط بضابط صحيح، ولهذا فإن عامة ما يسميه بعضهم مجازا، يسميه غيرهم حقيقة، وكل يدعي أن اللفظ مستعمل في موضوعه وهذا يدل على بطلان هذا التقسيم، وتجرده من الحقيقة.
... وإذا بطل التقسيم بطل تقسيم التقسيم حيث قسموا كل قسم إلى أقسام وهذا ينقصه الدليل الصحيح، والنقل السليم (52) .
... (و) أن التعريفات التي عرفوا بها كلا من الحقيقة والمجاز لم تخل من مناقشة، وذلك أنهم عرفوا الحقيقة "باللفظ المستعمل في موضوعه"، والمجاز "ما استعمل في غير موضوعه"، وهذا يحتاج إلى إثبات الوضع السابق على الاستعمال وهو متعذر.
... ومنهم من زاد "في الاصطلاح الذي به التخاطب"، فيقال من أين يعلم أن هذه الألفاظ التي كانت تتخاطب بها العرب عند نزول القرآن وقبله لم تستعمل قبل ذلك في معنى شئ آخر؟ وإذا لم يعلم هذا النفي لا يعلم أنها حقيقة، ويلزم منه أنه لا يقطع بشيء من الألفاظ أنه حقيقة، ولا قائل بهذا (53) .
... (ز) أن الفروق التي يفرق بها بين الحقيقة والمجاز ليست صحيحة، كقولهم: إن المجاز يصح نفيه، والحقيقة ليست كذلك، وإن المجاز ما يتبادر غيره إلى الذهن، والحقيقة ما تتبادر إلى الذهن، وإن الحقيقة ما يفيد المعنى مجردا عن القرائن، والمجاز مالا يفيد ذلك المعنى إلا مع القرينة (54) .
... فهذه الفروق لم تخل من مناقشات طويلة، ومستلزمات غير سديدة، ثم ما ضابط القرائن، والعلائق التي تذكر؟ كل ذلك وغيره مما ليس له برهان ساطع، وضابط واضح يدل على عدم صحة هذه الفروق وفساد اللازم يدل على فساد الملزوم (55) .
.. (ح) أن هذا التقسيم كثيرا ما استعملته الفرق الضالة، المخالفة لأهل السنة وجعلته تكأة لها في تأويل النصوص ورد الأحاديث الصحيحة، ولم ينقل عن السلف استعماله (56) .