تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكذلك هو مقتضى الآيتين الثانية والرابعة. وأما الآية الثالثة فهي صريحة الدلالة على أن القلب في الصدر، وهذا مما لا خلاف فيه وإنما الخلاف في محل العقل.

ثانياً: أن الحديث والأثر المستدل بهما على أن العقل في القلب لا تنهض بهما حجة، لكون بعض أئمة الحديث ذكرهما في جملة الموضوعات.

ثالثاً: أن القول بأن العلوم محلها القلب غير مسلَّم، ولو سُلَم فلا يدل على أن محل العقل هو القلب.

المطلب الثالث: الترجيح، وبيان سببه

من خلال استعراض الأقوال الثلاثة السابقة، والموازنة بين أدلة كل قول يترجح لدي أن العقل في القلب ويفيض نوره إلى الدماغ، وذلك لسببين:

السبب الأول:

... أن استقرار العقل في القلب أو في الرأس أمْر خفي لا يمكن الاطلاع عليه، وما كان كذلك فالحكم فيه موقوف على الشارع، والذي دلت عليه النصوص القرآنية الكريمة في ظاهرها أن العقل في القلب، فيكون القول بمقتضى ذلك الظاهر أولى وأسلم.

السبب الثاني:

... أن الذين نسبوا العقل إلى الرأس إنما نسبوه من قبيل أن العقل نور في القلب يفيض إلى الرأس، وكونه كذلك لا يدل على أن الرأس محل له، بل إن الرأس يتأثر بنور العقل وإن لم يكن مستقراً فيه.

.. وعلى هذا فالخُطْب في هذه المسالة هين، فإن من نسب العقل إلى القلب نظر إلى المقر، ومن نسبه إلى الرأس نظر إلى الأثر، إذ أن اتقاد الذهن أثر لذلك النور المستقر في القلب، وهذا المعنى هو ما ترجمه الشوكاني رحمه الله تعالى بقوله: (ومعنى: " فتكون لهم قلوب يعقلون بها " أنهم بسبب ما شاهدوا من العبر تكون لهم قلوب يعقلون بها ما يجب أن يتعقلوه، وأسند التعقل إلى القلوب لأنها محل العقل، كما أن الآذان محل السمع، وقيل: إن العقل محله الدماغ، ولا مانع من ذلك، فإن القلب هو الذي يبعث على إدراك العقل وإن كان محله خارجاً عنه) ((1)) .

المطلب الرابع: ثمرة الخلاف في المسألة

أفصح الزركشي رحمه تعالى عن ثمرة الخلاف في هذه المسألة فقال: (ومما يتفرع على الخلاف في أن محله ماذا؟ مالو أُوضح (2) رجل فذهب عقله.فعند الشافعي ومالك يلزمه دية وأرش الموضحة، لأنه أتلف عليه منفعةً ليست في عضو الشجة تبعاً لها، وقال أبو حنيفة: إنما عليه دية العقل فقط، لأنه إنما شجَّ رأسه، وأتلف عليه العقل الذي هو منفعة في العضو المشجوج، ودخل أرش الشجة في الدية) (3) .

... قال النووي الشافعي رحمه الله تعالى: (يُنْظَرُفي الجناية التي ذهب بها العقل، فإنْ لم يكن لها أرش بأنْ ضرب رأسه أو لطمه فذهب عقله وجبت دية العقل، وإن كان لها أرش مُقدَّر كالموضحة واليد والرجل، أو غير مقدر كالجراحة الموجبة للحكومة فقولان: القديم أنه يدخل الأقل في الأكثر، فإن كانت دية العقل أكثر بأن أوضحه فزال عقله دخل أرش الموضحة وإن كان أرش الجناية أكثر بأن قطع يديه ورجليه أو يديه مع بعض الذراع فزال عقله دخل فيه دية العقل، والجديد: الأظهر لا تداخل، بل يجب دية العقل وأرش الجناية) (4) .

وقال المرغيناني (1) الحنفي رحمه الله تعالى: (ومَنْ شجَّ رجلاً فذهب عقله أو شعر رأسه دخل أرش الموضحة في الدية، لأن بفوات العقل تبطل منفعة جميع الأعضاء) (2) .

المبحث الثالث: تفاوت العقل

وفيه أربعة مطالب:

المطلب الأول: أقوال الأصوليين في ذلك

اختلف الأصوليون في تفاوت العقول من شخص لآخر على قولين:

القول الأول: ... العقل يتفاوت من شخص لآخر.

وممن ذهب إلى هذا القول من الأصوليين: القاضي أبو يعلى (3) ، وأبو الخطاب (4) ، والفتوحي (5) ، والبزدوي (6) ، ومحمد بن نظام الدين الأنصاري (7) (8) .

القول الثاني:

العقل لا يتفاوت، بل هو شيء واحد في جميع الناس لا يزيد ولا ينقص. وإلى هذا القول ذهب الأشاعرة والمعتزلة وابن عقيل الحنبلي (9) .

المطلب الثاني: الأدلة والمناقشات

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ١١٤٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ١١٤٠