الدليل الثالث:
قوله سبحانه: (فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور) (2) .
وجه الاستدلال: أن الله تعالى بيَّن أن العقول في الصدور، والمعنى: يتغطى على العقول التي في الصدور.
الدليل الرابع:
قوله عز وجل: (لهم قلوب لا يفقهون بها) (3) .
وجه الاستدلال: أن الفقه هو العلم والفهم والمعرفة، وآلة إدراك هذه الأشياء هي العقل.
الدليل الخامس:
ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الرحمة في الكبد، والقلب ملك ومسكن العقل القلب) ((4)) .
وجه الاستدلال: أن النبي صلى الله عليه وسلم صرح بأن العقل في القلب، وهو نص في الموضوع.
الدليل السادس:
ما روي عن عدد من الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم أنهم صرحوا بأن العقل في القلب، ومنهم: عمر بن الخطاب، وعلي ابن أبي طالب، وأبي هريرة، وكعب بن مالك، وغيرهم.
وأقوالهم شاهدة على ذلك، كما روي عن علي رضي الله تعالى عنه أنه قال يوم صفين: (إن العقل في القلب) ((5)) .
الدليل السابع:
قالوا: إن العقل ضَرْب من العلوم الضرورية، والعلوم محلها القلب.
أما الدليل على كون العقل ضرباً من العلوم الضرورية فهو أن العلم يشتمل على ضروري ومكتسب، ومعلوم أن الإنسان لو لم يكتسب العلم ولم يفكر في الدلائل فإنه يسمى عاقلاً، فإذا خرج منه العلم المكتسب لم يبق إلا أنه علم ضروري.
وأما الدليل على أن العلوم محلها القلب فهو قول الحق تبارك وتعالى: (لهم قلوب لا يفقهون بها) ((1)) .
والفقه هو العلم والفهم والمعرفة، ولو لم تكن القلوب محلاً للعلوم لما أضاف الحق تبارك وتعالى الفقه إليها.
وإذا ثبت أن القلب محل للعلوم كان محلاً للعقل الذي هو بعض تلك العلوم (2) .
ثانياً: أدلة القول الثاني:
... واستدل القائلون بأن العقل في الرأس بدليلين:
الدليل الأول:
... أن العقلاء يضيفون العقل إلى الرأس، فيقولون: هذا ثقيل الرأس، وهذا في دماغه عقل.
وعكس ذلك يقولون: هذا فارغ الدماغ، وهذا ليس في رأسه عقل.
ولو لم يكن العقل في الرأس لما صح منهم ذلك.
الدليل الثاني:
... أن الإنسان إذا ضُرب على رأسه زال عقله، ولو ضُرب على جميع بدنه لم يَزُلْ عقله.
فدل هذا على أن العقل في الرأس ((3)) .
ثالثاً: أدلة القول الثالث:
استدلوا على أن محل العقل هو القلب بالأدلة نفسها التي استدل بها أصحاب القول الأول.
واستدلوا على اتصال العقل بالدماغ فقالوا: إن العقل وإن كان محله في القلب إلا أن نوره يعلو إلى الدماغ فيفيض منه إلى الحواس ما جرى في العقل ((4)) .
رابعاً: (المناقشات) :
ناقش الفريقان الأول والثالث وهم القائلون بأن العقل في القلب الفريق الثاني القائلين بأن العقل في الرأس في دليليهما بما يلي:
أولاً: ناقشوهم في دليلهم الأول من وجهين:
الوجه الأول:
أن قول العقلاء: " هذا ثقيل الرأس " و " هذا في دماغه عقل " لا يلزم منه أن العقل في الرأس، وإنما قولهم هذا يعني أن العقل نور في القلب يفيض إلى الرأس وإلى سائر
الحواس.
فإضافتهم العقل إلى الرأس إنما هي من هذه الحيثية.
الوجه الثاني:
أن منْ قال من العقلاء: " هذا فارغ الرأس "، و " هذا ليس في رأسه عقل " فمرادهم من ذلك أن جفاف الدماغ يؤثر في العقل وإن كان في غير محله، كما يؤثر في البصر وإن لم يكن في محله.
ثانيا: وناقشوهم في دليلهم الثاني:
بأن إزالة العقل بالضرب على الرأس لا يدل على أن العقل في الرأس، بدليل أن الإنسان إذا عصرت أنثياه زال عقله، ولا قائل بأن العقل مستقر هنالك ((1)) .
وقد يُناقَشُ الفريقان الأول والثالث فيما استدلوا به على أن العقل في القلب، بما يلي:
أولاً: أن الآيات القرآنية الكريمة لا دلالة فيها على أن العقل في القلب، وإنما مقتضى الآية الأولى أن صاحب القلب السليم من الشبهة والشهوة هو الذي ينتفع بالمواعظ والزواجر.