أولاً: أدلة القول الأول:
استدل القائلون بأن العقل متفاوت بالأدلة الآتية:
الدليل الأول:
... ما رواه أبو سعيد الخدري رضى الله تعالى عنه قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أَضْحىَ أو فِطْرٍ إلى المُصّلَى فمرَّ على النساء فقال: (يا معشر النساء تصدَّقْن فإني أُريتكنَّ أكثر أهل النار) ، فقلن: وبِمَ يا رسول الله؟ قال: (تكثرن اللعن وتكفرن العشير، وما رأيت من ناقصات عَقل ودين أَذْهَبَ للب الرجل الحازم من إحداكن) ، قلن: وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله؟ قال: (أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة
الرجل؟) قلن: بلى، قال: (فذلك من نقصان عَقْلها، أليس إذا حاضت لم تُصَلَّ ولم تَصُم؟) قلن: بلى قال: (فذلك من نقصان دينها) (10) .
... وجه الاستدلال: أن هذا الحديث يدل على نقصان عقل النساء عن عقول الرجال مع وصفْهِنَّ بالعقل، ولو كان العقل شيئاً واحداً لا يتفاوت لما استقام ذلك.
الدليل الثاني:
.. قالوا: إن الإجماع منعقد على أن العقل متفاوت، وذلك لأن كل الناس يقولون: عَقْلُ فلان قليل، وعقل فلان أكثر من عقل فلان، وفلان غير عاقل.
الدليل الثالث:
... قالوا: إن العقل منحة إلهية تفضلَّ الله تبارك وتعالى بها على عباده، وفَضْلُ الله تعالى يتفاوت بحسب قابلية المحل واستعداده، فيزيد عند بعض الناس، وينقص عند البعض الآخر.
... ولو كان العقل على حالة واحدة لما كان كذلك (1) .
ثانياً: أدلة القول الثاني:
... استدل القائلون بأن العقل لا يتفاوت بدليلين:
الدليل الأول:
... أن العقل من العلوم الضرورية، وتلك لا تختلف في حق عاقل، بل العقلاء في ذلك متساوون.
الدليل الثاني:
... أنه لو كان أحد الناس أكمل عقلاً من الآخر لم يحصل لغير الكامل الغرض، وهو تأملَّ الأشياء ومعرفتها لأجل النقصان الذي حصل فيه (2) .
ثالثاً: المناقشات:
أ - نوقش القائلون بعدم تفاوت العقول فيما استدلوا به على ذلك بما يلي:
أولاً: نوقشوا في دليلهم الأول: بأن تلك العلوم الضرورية لم يختلف ما يُدرك بها من النظر والشم والذوق، فلهذا لم تختلف هي في أنفسها، وليس كذلك العقل لأنه يختلف ما يُدرك به وهو التمييز والفكر، فيقلُّ في حق بعضهم ويكثر في حق البعض الآخر، ولذلك اختلف وتفاوت.
ثانياً: ونوقشوا في دليلهم الثاني: بأنه إنما لم يحصل له الغرض الكامل لأنا نجد أنّ مَنْ لم يكمل عقله لا تكمل أحواله ولا يبلغ جميع أغراضه، ومَنْ كمل عقله بلغ أكثر أغراضه وأكمل أكثر أحواله (3) .
ب- ونوقش القائلون بتفاوت العقول فيما استدلوا به على ذلك بما يلي:
أولاً: نوقشوا في دليلهم الأول من وجهين:
الوجه الأول: أن العقول لا يجوز أن تتفاوت بأصل الفطرة، وإنما تتفاوت بالعوارض وهذا لا يُعْتَدُّ به، وإذا كان غير معتد به فالرجال والنساء في العقل سواء.
الوجه الثاني: أن الرجال والنساء سواء في التكليف، فلا بُدَّ من الاستواء فيما هو مناط له وهو العقل (1) .
ثانياً: ونوقشوا في دليلهم الثاني والثالث من وجهين أيضاً:
الوجه الأول: أن العقل بَعْضُُ من العلوم فلا يقبل الزيادة والنقصان، لأن العلم الكسبي لا يقبل الزيادة، فيكون الضروري أولى بعدم قبولها.
الوجه الثاني: ما ورد من نحو قولهم: " عقل فلان أكثر من عقل فلان " إنما هو من باب قولهم: " فلان أعلم من فلان " بمعنى أن معلوماته أكثر، فيكون المراد بزيادة العقل كثرة التجارب، والتجارب قد تجوَّز فيها قوم فقالوا: هي عقل ثانٍ، وقالوا في المشورة: عقل غيرك مُنْضَمُُّ إلى عقلك، وهذا كله مجاز، والحقيقة لا تقبل التزايد (2) .
المطلب الثالث: الترجيح، وبيان سببه
يترجح لديّ مما سبق عرضه ومناقشته أن العقل متفاوت، فهو يختلف قلةً وكثرةً من إنسان لآخر، وذلك لسببين:
السبب الأول:
... أن الله تبارك وتعالى أمرنا برد كل شيء متُنَاَزعٍ فيه إليه سبحانه وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم فقال: (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً) (3) .