تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومتناسب مع المعنى الثاني وهو (الجَمْعُ) إذ القادر على استجماع كل التصورات المطلوبة للحكم على الأشياء واتخاذ القرار المناسب لها إنما هو العاقل الأريب الذي وَعى فأدرك ونظر فقدَّر.

ومتناسب مع المعنى الثالث وهو (الحَبْسُ) فإنَّ العقل يحبس صاحبه على محاسن الأعمال ومكارم الصفات ويحبسه عن الانسياق خَلْف الشهوات التي لو أطلق الإنسان فيها لنفسه العنان لأصبح سابحاً في بحور الرذيلة لانفلاته من قيود الفضيلة.

ومتناسب مع المعنى الرابع وهو (التثبُّت في الأمور) فهذا هو شأن العقلاء الذين وهبهم الله تبارك وتعالى العقل الراجح والفكر الثاقب الذي يَزِنون به الأمور وزناً دقيقاً دون اضطراب في الموقف، أو رعونة في التصرف.

ومتناسب مع المعنى الخامس وهو (التميُّز) إذ مَصْدرُهُ العقل المستنير بالنور الإلهي، وغير العاقل لا يملك مقوَّمات التمييز الصحيح، بل يخبط خَبْط عشواء، ولربما ضرَّ نفسه وأفسدها مِنْ حيثُ يريد نَفْعَها وإصلاحها.

ومتناسب مع المعنى السادس وهو (الَفهْمُ) إذ أنَّ ذلك النور كاشف لحقائق الأمور، فتبدو ناصعةً جليَّةً لا غبش يكدَّرها ولا غموض يعتورها، وهذا هو رُكْنُ الفهم وعماده.

ومتناسب مع المعنى السابع وهو (المَسْكُ) فإنَّ العقل يمسك بصاحبه حتى لا يندفع إلى مالا ينبغي له، ولا يسترسل فيما لا يليق به، وهذا هو الفارق بين العاقل وغيره.

ومتناسب مع المعنى الثامن وهو (الْمَلْجَأ) فإنَّ العقل ملجأ حصين لصاحبه يصونه من كل ما يشينه من أعمال ويحميه من كل ما يسوؤه من تصرُّفات إذا تغلَّب الإنسان على هوى نفسه بالاحتكام إليه والاستجابة لداعيه.

ومن خلال هذا التناسب تتضح لنا أهمية العقل الكبرى في حياة الإنسان، وأنه نعمة عظيمة من نعم الله تبارك وتعالى على عباده جديرة بالحفظ والرعاية حتى يسير ذلك العقل في مساره الصحيح الذي رسمه له المولى الكريم دون حَيْدَةٍ عن الجادَّة أو انحراف عن الصراط المستقيم.

المبحث الثاني: محل العقل

وفيه أربعة مطالب:

المطلب الأول: أقوال الأصوليين في ذلك

اختلف الأصوليون في المحل الذي يستقر فيه العقل على ثلاثة أقوال:

القول الأول: محل العقل هو القلب.

... ... وإلى هذا القول ذهب الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة (1) .

القول الثاني: محل العقل هو الرأس.

وهذا القول منسوب إلى الحنفية، ونسبه الباجي إلى الإمام أبي حنيفة، وهو المشهور عن الإمام أحمد (2)) .

وفي تعميم نِسْبَة هذا القول إلى الحنفية رحمهم الله تعالى نَظَر، وذلك أنَّ مِن الحنفية مَنْ صَرَّح بأن العقل نور في القلب ومنهم فخر الإسلام البزدوي رحمه الله تعالى حيث قال:

(أما العقل فنور يضيء به طريق يُبْتَدَأ به من حيثُ يَنْتَهي إليه دَرْكُ الحواس، فيبتدىء المطلوب للقلب فُيدْركه القلب يتأمّله بتوفيق الله تعالى) (3) .

وكذلك السرخسي رحمه الله تعالى حيث عرف العقل بأنه " نور في الصدر" (4) .

والصدر يحوي القلب لا الرأس.

وعليه فالقائل بذلك بعضهم وليس جميعهم.

القول الثالث: محل العقل هو القلب، وله اتصال بالدماغ.

وهذا القول منسوب إلى أبي الحسن التميمي (5) وغيره من أصحاب الإمام أحمد رحمه الله تعالى (6) .

المطلب الثاني: الأدلة، والمناقشات

أولاً: أدلة القول الأول:

استدل القائلون بأن العقل في القلب بالأدلة الآتية:

الدليل الأول:

قول الحق تبارك وتعالى: (إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب) (7) .

وجه الاستدلال: أطلق الحق تبارك وتعالى القلب هنا وأراد به العقل، فدل على أن القلب محله، لأن العرب تسمي الشيء باسم الشيء إذا كان مجاوراً له، أو كان بسبب منه.

الدليل الثاني:

قوله تعالى: (أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها) (1) .

وجه الاستدلال: أنه تعالى جعل العقل في القلب، ولو لم يكن القلب محلاً له لما جعله كذلك.

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ١١٣٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ١١٣٨