تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

التكييف الفقهي

... إن التكييف الفقهي لهذه النازلة العصرية يمكن إنتاجه بعد التأمل في أربعة مداخل رئيسة، وذلك بإدارتها على جانبي السلب والإيجاب:

الأول: القواعد الفقهية: وذلك من خلال القواعد التالية:

(1) المشقَّة تجلبُ التيسير.

... وهذه قاعدة عظيمة في الشريعة ومعناها: أن أحكام الشريعة كلها مبنية على التيسير ومصالح العباد، فلا يكلف الشارع ابتداء العباد بما يشق عليهم ويوقعهم في الحرج، ثم إن أي حكم شرعي ينشأ من تطبيقه مشقة وحرج على المكلف في نفسه أو ماله فإن الشريعة تخففه بما يقع تحت قدرته من دون عسر أو إحراج (2) .

(2) درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.

... ومعنى القاعدة أنه: إذا اجتمع في أمر من الأمور مفسدة ومصلحة، فإن دفع المفسدة أولى من تحصيل المصلحة لأن المفسدة منهي عنها والمصلحة مأمور بها، وعناية الشريعة بترك المنهيات أشد من عنايتها بفعل المأمورات (3) .

(3) الأصل براءة الذمة.

.. ومعناها: أن الأمر المتيقن هو أن الإنسان خلق خالياً من المسؤوليات والالتزامات، أو حقوق الآخرين فلا تشغل ذمته بأي حق أو التزام إلا بدليل أو بينة.

... قال العز ابن عبد السلام (ت 660هـ) : "الأصل براءة ذمته من الحقوق وبراءة جسده من القصاص والحدود والتعزيرات وبراءته من الانتساب إلى شخص معين، ومن الأقوال كلها والأفعال بأسرها" (1) .

... وعلى هذا يحكم بيقين انتفاء الأحكام وبراءة الذمة من التكاليف الشرعية، قبل مجيء الشرع وبعد مجيئه أيضاً عند عدم الدليل الشرعي، إذ يلجأ إليه المجتهد عند عدم وجود الأدلة.

(4) الدفع أولى من الرفع.

... ومعناها: أنه إذا أمكن رفع الضرر قبل وقوعه، فهذا أولى وأسهل من رفعه بعد الوقوع (2) .

(5) يختار أهون الشرين وأضعف الضررين

... الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف

... إذا تعارض مفسدتان روعي أعظمهما ضرراً بارتكاب أخفهما (3) .

... هذه القواعد الثلاث ذات معنى واحد تقريباً مفاده: أن الأمر إذا دار بين ضررين أحدهما أشد من الآخر فيتحمل الضرر الأخف ولا يرتكب الأشد.

... ويمكن أن يعبر عنه بأسلوب آخر وهو: أن من ابتلي ببليتين وهما متساويتان يأخذ بأيتهما شاء، وإن اختلفتا يختار أهونهما، لأن مباشرة الحرام لا تجوز إلا للضرورة، ولا ضرورة في حق الزيادة.

(6) يتحمل الضرر الخاص لدفع ضرر عام. ...

... إذا اجتمع في أمر من الأمور ضرران أحدهما عام والآخر خاص، فإنه يجوز ارتكاب الضرر الخاص، بل يحمل عليه الإنسان في بعض الصور وذلك لدفع الضرر العام على الناس لأن الضرر الخاص أهون من الضرر العام (4) .

الثاني: الاعتبار الشرعي للمصلحة المرسلة:

... إن المصالح والمفاسد التي تعتبر مقياساً للأمر والنهي في الشرع الإسلامي هي التي تتفق أو تتنافى مع مقاصد الشريعة.

... أول مقاصد الشريعة صيانة الأركان الخمسة الضرورية للحياة البشرية وهي:

1 الدين ... 2 والنفس ... 3 والعقل ... 4 والنسل ... 5 والمال

... وقد قسم الفقهاء رحمهم الله الأمور التي تعد من المصالح بالنظر الشرعي، بحسب دلائل نصوص الشريعة وأحكامها إلى ثلاثة أقسام:

الأول: الضروريات: وهي الأمور التي تتوقف عليها صيانة الأركان الخمسة من أعمال وتصرفات وتدابير وأشياء وما إليها.

الثاني: الحاجيات: وهي الأعمال والتصرفات التي لا تتوقف عليها صيانة تلك الأركان الخمسة، ولكنها تتطلبها الحاجة لأجل التوسعة ورفع الحرج.

الثالث: التكميليات أو الكماليات أو التحسينات: وهي التي لا تتحرج الحياة بتركها ولكن مراعاتها من مكارم الأخلاق، أو من محاسن العادات، فهي من قبيل استكمال ما يليق والتنزه عما لا يليق.

... وعلى هذا فالأحكام التي شرعت لصيانة الأركان الضرورية هي أهم الأحكام وأحقها بالمراعاة، وتليها الأحكام المشروعة لضمان الحاجيات، ثم الأحكام المشروعة للتحسين والتكميل.

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ١١٢٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ١١٢٦