... ولا يراعى حكم تحسيني إذا كان في مراعاته إخلال بما هو ضروري أو حاجي ولا يراعى حكم حاجي إذا كانت مراعاته تخل بالضروري، لأن الفرع لا يراعى إذا كان في مراعاته والمحافظة عليه تفريط في الأصل.
... هذه هي الأسس التي يعتبرها الشرع الإسلامي في وزن المصالح المرسلة أنواعاً ودرجات، وهي ترسم مقاصد الشريعة كما تدل عليه دلائل نصوصها في شتى الموضوعات والقضايا والأحكام.
فكل ما يؤيد هذه المقاصد الشرعية ويساعد على تحقيقها فهو مصلحة مطلوبة طلباً قوياً أو ضعيفاً بحسب موقعها من تلك الأقسام الكلية الثلاثة، وكل ما ينافيها فهو مفسدة ممنوعة منعاً شديداً أو ضعيفاً بحسب نوع المقصد الشرعي الذي تخل به.
.. ومن المسلم أن كل أمر من الأمور فيه جهة نفع وجهة ضرر متعادلتان أو متفاوتتان. فإذا كانت جهة النفع في الشيء هي الغالبة فهو مصلحة، وإن اشتمل على ضرر مغلوب، وإن كانت جهة الضرر هي الغالبة فهو مفسدة، وإن اشتمل على نفع مغلوب، ولذا كان الفعل ذو الوجهين منسوباً إلى الجهة الراجحة فيه من مصلحة أو مفسدة.
... وعلى هذا فكل شئ أو فعل إنما يكون مشروعاً أو ممنوعاً بحسب رجحان نفعه أو رجحان ضرره، وتقدير ذلك إلى نظر المجتهد.
... ومن المقرر في هذه الحال أن الجهة المرجوحة المغلوبة من نفع أو ضرر غير مقصودة للشارع في أوامره ونواهيه، بل هي متغاضى عنها في سبيل الجهة الراجحة.
... ومن المقرر أيضاً أن المصالح التي يعتبرها الشرع ويرعاها لا عبرة بكونها موافقة لأهواء المكلفين وشهواتهم أو مخالفة، وإنما هي ما يقيم شأن الدنيا على أن تكون جسراً للآخرة فتبني حياة صالحة فاضلة متعاونة على الخير والبر (1) .
... وقد أوضح الإمام الشاطبي هذا المعنى وقال: "وهذا النظر كله أساسه كون المصالح مشروعة لإقامة هذه الدنيا لا لنيل الشهوات ولا لإجابة داعي الهوى" (2) .
الثالث: اعتبار المقاصد الشرعية في الأحكام:
... لكل حكم من الأحكام الدينية مقصد يهدف إلى تحقيقه في حياة الناس، وبتحققه في الواقع تتحقق للإنسان منفعة، أو تدرأ عنه مفسدة، راجعة إلى الأصول الخمسة التي تقدم ذكرها قبل قليل.
... والرابطة بين الحكم وبين مقصده هي: رابطة تلازم على مستوى التجريد.
.. إلا أن مقاصد الأحكام وإن كانت لازمة لها في ذاتها لزوماً منطقياً مجرداً، فإن وقوع الأحكام على عين الأفعال في الواقع لا يلازمه بالضرورة المطردة حصول المقاصد منها، لأن أفعال الإنسان العينية في واقعها الزمني قد تحف بها ملابسات وأعراض تحول دون تحقيقها للمقاصد من الأحكام التي أجريت عليها فتطبق حينئذ الأحكام على مجريات الأحداث وتتخلف المقاصد التي من أجلها وضعت.
... ولذلك فإن اعتبار المقاصد في الأحكام لا يكفي فيه الاجتهاد النظري، الذي يهدف إلى الكشف عن مقاصد الأحكام في منطقيتها التجريدية، بل لابد من مرحلة اجتهادية ثانية عند صياغة الأحكام، وهي المرحلة التي يتم فيها اعتبار المقاصد في الأحكام، من حيث حصولها في الواقع، عندما تطبق تلك الأحكام على مشخصات الأحداث، فيكون رجحان الظن بحصولها أو تخلفها، ميزاناً في صياغة الأحكام، اعتماداً لما يرجح الظن بتحقيقه مقصده في الواقع من الأحكام، وعدولاً عما يرجح الظن أنه لا يحقق مقصده لأعراض تلم بالواقعة المراد إجراء الأحكام عليها (1) .
الرابع: اعتبار مآلات الأحكام:
... إن من أهم الأسس التي يجب اعتبارها عند التصدي لاستحداث حكم في نازلة عصرية اعتبار مآلات هذا الحكم في الواقع، فإن بعض الأحكام قد لا تكون مؤدية إلى الغايات التي وضعت لها.
... فلا يكفي اعتبار المطابقة بين الحكم وبين الفعل من حيث جنسه، بل لابد من النظر في الواقع وتقويم الفعل بناء على الخصائص الظرفية له، فقد يفضي ذلك الاعتبار إلى العدول عن الحكم الأصلي إلى حكم غيره تقتضيه خصوصيات الواقع وهذا ينبني على علم دقيق بأسباب التفاعل بين مجريات الأحداث في الواقع الذي يراد علاجه، بحيث يعرف بتلك الأسباب ما ينتج عن تطبيق حكم من آثار صالحة أو ضارة، وعلى هذا الأساس يقع إقرار ذلك الحكم أو العدول عنه إلى غيره بحيث ما يغلب على الظن أن تتحقق به المصلحة تدرأ به المفسدة.