مدخل:
في كثير من الأحيان عندما يراد تطبيق الأحكام الشرعية على الأوضاع الواقعية العينية، تواجه المسلم مشكلة التوفيق بين منطقية الفقه المجرد ومنطقية الواقع الجاري؛ إذ هذا الواقع قد تطرأ على عناصره من الملابسات، ما تصير به بعض أفعال الإنسان مؤدية لو أجريت بحسب الحكم الفقهي المجرد إلى إلحاق ضرر به في ناحية أخرى من نواحي حياته، قد يكون أبلغ من النفع الذي يحصل بذلك الإجراء، بسبب من ملابسات يقتضيها المنطق الذاتي لمجريات الأحداث الواقعية.
"وفي سبيل التوفيق بين الأحكام المجردة، والوقائع الجارية، بما يدفع حياة المسلم إلى ما يحقق المصلحة ويدرأ المفسدة، ينبغي صياغة الأحكام، بالنسبة لكل وضع واقعي مخصوص صياغة يؤخذ فيها بعين الاعتبار انعكاساته على مختلف جوانب ذلك الوضع، فإن واقع الحياة من طبيعته التفاعل المستمر بين عناصره المختلفة، فما هو اقتصادي يؤثر فيما هو اجتماعي، ويتأثر به، وكذلك الأمر بالنسبة لكل المجالات الأخرى. وقد تحصل للإنسان مصلحة في جانب من جوانب حياته، إلا أنها تكون مجحفة بجانب آخر، فتؤدي فيه إلى ضرر، ولذلك فإن المعيار النهائي للمصلحة هو غلبة النفع على الضرر، بعد التقويم العام لما يؤول إليه فعل ما، بحيث تتكامل المصلحة فيه، فيما يشبه تحوط الصيدلاني في صناعة الدواء من أن تكون لدوائه مضاعفات تلحق ببعض أجهزة الجسم ضرراً قد يفوق ما يحققه من شفاء من الداء المراد علاجه بحيث يجعله ذلك التحوط يعمل على تحقيق التكامل الإيجابي لآثار ذلك الدواء في جسم المريض" (1) .
... وإن زحمة الطوارئ في واقع الحياة لطبيعتها المتقلبة كثيرٌ ما تغري في سبيل استعجال الحلول الشرعية المناسبة لها بتناسي الأطر والأصول التي يجب أن تتنزل فيها تلك الحلول، فيأتي بعضها مناقضاً للمصلحة من جوانب أخرى.
... لذا فلابد من التصور العلمي الصحيح للحادثة والقراءة المتأنية لجميع أبعادها ودراسة تفاعل هذه العناصر بعضها مع بعض، وأثر ذلك على واقع الحياة البشرية، ثم بعد هذا كله إعطاء الحكم للنازلة، حتى تخرج الفتوى في صورة متكاملة في النظرة، منسجمة مع أدلة الشرع ومقاصده، محققة للمصلحة.
التصور الطبي لمفهوم الوراثة (2)
.. أدَّت الاكتشافات الحديثة، واختراع المجهر إلى تبين أن أنسجة الجسم مكونة من خلايا، وكل خلية تحتضن نواة هي المسئولة عن حياة الخلية ووظيفتها، كما بينت هذه الاكتشافات الحديثة أن النواة في كل خلية تحوي المادة الإرثية بداية من الخواص التي تجمع بين الجنس البشري، وانتهاء بالتفصيلات التي تختص بالفرد فلا يشاركه فيها آخر، منذ خلق الإنسانية إلى انتهائها.
... وتسكن المادة الوراثية كشبكية ملتفة في نواة الخلية، وتتكون من أجسام صغيرة جداً يسميها العلماء: الصبغيات CHROMOSOMES أو (الكروموزمات) وهي تراكيب تشبه الخيوط في نواة الخلية حينما تكون على وشك الانقسام ويوجد في كل خلية من خلايا الجسم الإنساني 46 صبغاً (كروموزوما) وهي على صورة ثلاثة وعشرين زوجاً: فرد من الأب وفرد من الأم، وقد تمكن العلماء من التعرف على هذه الأجسام الصغيرة، وترتيبها حسب تسلسلها، ابتداء من الزوج الأول وانتهاء بالزوج الثالث والعشرين.
وتنقسم الكروموزمات إلى مجموعتين:
إحداهما: الكروموزمات الذاتية، وهي (22) زوجاً تتشابه تشابهاً تاماً في كل من الذكر والأنثى وهي التي تؤثر في الصفات الجسدية، كطول القامة ولون الشعر ولون العين ولون البشرة، والقابلية للأمراض.
والمجموعة الثانية: هي الكروموزمات الجنسية، وعددها زوج واحد، وهو متماثل في الأنثى يسمى: كروموزوم س X، بينما يختلف هذا الزوج في الذكر، ففرد من هذا الزوج يسمى: كروموزوم X وهو مماثل لكروموزوم X الموجود عند الأنثى، والفرد الآخر الأقصر يسمى: كروموزوم صY (1) . والكروموزومات الجنسية هي المسئولة عن الصفات الجنسية