تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

المبحث الثاني: مناقشة الأدلة

وفيه مطلبان

المطلب الأول: مناقشة أدلة أصحاب القول الأول

ناقش أصحاب القول الثاني أدلة أصحاب القول الأول القائلين بحرمة استعمال أواني الذهب والفضة في سائر الاستعمالات بما يأتي:

1 الأحاديث التي استدل بها أصحاب القول الأول تدل على تحريم الأكل والشرب وأما سائر الاستعمالات فلا. والقياس على الأكل والشرب قياس مع الفارق؛ فإن علة النهي عن الأكل والشرب هي التشبه بأهل الجنة، حيث يطاف عليهم بآنية من فضة، وذلك مناط معتبر للشارع، كما ثبت عنه (لما رأى رجلا متختماً بخاتم من ذهب فقال مالي أرى عليك حلية أهل الجنة، وكذلك في الحرير وغيره، وإلا لزم تحريم التحلي بالحلي، والافتراش للحرير؛ لأن ذلك استعمال وقد جوزه البعض من القائلين بتحريم الاستعمال (3) .

(وقولهم إن النبي (حرمها في الأكل والشرب لأنه أغلب الاستعمال وما غلب به الحكم لكونه أغلب لا يقتضي تخصيصه به كقوله تعالى: ﴿وربائبك اللاتي في حجوركم من نسائكم﴾ (4) فتقييد تحريم الربيبة بكونها في الحجر لا يمنع التحريم، بل تحرم، وإن لم تكن في حجره على قول أكثر أهل العلم. صحيح لكن كون الرسول (يعلق الحكم بالأكل والشرب، لأن مظهر الأمة بالترف في الأكل والشرب أبلغ منه في مظهرها في غير ذلك، وهذه علة تقتضي تخصيص الحكم بالأكل والشرب، لأنه لاشك أن الذي أوانيه في الأكل والشرب ذهب وفضة، ليس كمثل من يستعملها في حاجات تخفى على كثير من الناس) (5) .

3 حكاية النووي للإجماع على تحريم الاستعمال لا تتم مع مخالفة داود والشافعي وبعض أصحابه (6) .

4 وبالنسبة لما استدل به ابن حزم يمكن أن يناقش بأن هاتين الروايتين رويتا بالمعنى، على تقدير حذف مضاف أي لا تشربوا ولا تأكلوا فيها، لأن بقية الروايات بينت المراد.

المطلب الثاني: مناقشة أدلة أصحاب القول الثاني

1 القول إنما يحرم الشرب دون الأكل والطهارة وغيرهما غلط فاحش؛ ففي حديث حذيفة وأم سلمة من رواية مسلم التصريح بالنهي عن الأكل والشرب، وهذان نصان في تحريم الأكل وإجماع من قبل داود حجة عليه. ولأنه إذا حرم الشرب فالأكل أولى لأنه أطول مدة وأبلغ في السرف (1) .

(أن النهي عن الشرب تنبيه على الاستعمال في كل شيء كما قال تعالى ﴿لا تأكلوا الربا﴾ (2) . وجميع أنواع الاستعمال في معنى الأكل بالإجماع، وإنما نبه به لكونه الغالب) (3) .

3 قولهم حكاية الإجماع لا تتم مع مخالفة داود والشافعي وبعض أصحابه يجاب عليها أن الإمام الشافعي رجع عن قوله القديم كما بيناه، وأن قوله الجديد موافق لما قاله جماهير العلماء. وأما داود فإجماع من قبله حجة عليه (4) . وهذا إنما يحتاج إليه على قول من يعتد بقول داود في الإجماع والخلاف، وإلا فالمحققون يقولون لا يعتد به لإخلاله بالقياس وهو أحد شروط المجتهد الذي يعتدبه (5) . وأما قوله بجواز الأكل في آنية الذهب والفضة فهو مردود بحديث أم سلمة عند مسلم حيث نص على الأكل والشرب ولعله لم يبلغه.

ولما لم أجد مناقشة لبعض أدلة أصحاب القول الثاني؛ لأن الجمهور أصحاب القول الأول متقدمون، فلم يطلعوا على الرأي الأخير وأدلته؛ لذا فإني سوف أفترض لهم مناقشة.

4 قولهم لو كان المحرم غيرهما لكان النبي (وهو أبلغ الناس لا يخص شيئا دون شيء، يجاب عليه بأن هذا من بلاغة الرسول (، فقد اكتفى بالتنبيه على أهم أنواع الاستعمال؛ لأن غيرها مقيس عليها، ولو ذكر أنواعا من الاستعمال غيرها مثل لا تتوضأوا، ولا تتطيبوا، ولا تكتحلوا، لكان هذا غير ممكن، وغير محقق للمراد؛ لأن صور الاستعمال لا تنحصر، ولو انحصرت في عصره (فإنها لن تنحصر في العصور الأخرى؛ لأن أساليب الاستعمال تتعدد، وتتنوع من عصر إلى آخر، وبالتالي لا يتحقق المراد من قصد النهي عن عموم الاستعمال، ولأن تعداد أنواع الاستعمال الأخرى كما مثلنا سيتيح للمعارض الحجة بأن النص على النهي عن الوضوء يدل على جواز الاغتسال، والنهي عن التطيب يدل على جواز الادهان من آنية الذهب والفضة، فكان من مقتضى بلاغته (أن ينص على الأكل والشرب، وهذا فيه تنبيه كاف على النهي عن سائر الاستعمالات؛ لأنه ليس الشأن في ألفاظ الشارع أن تستقصي الجزئيات، وإنما آحاد الصور تطبق عليها الأحكام والألفاظ العامة. ولو أُخذ بهذا المبدأ وهو قصر الحكم على ما نص عليه الحديث، وعدم تعديته إلى ما يماثله لعُطلت كثير من الأحكام، فأحاديث الربا نصت على الأصناف الستة. لكن جماهير الفقهاء عللوا الربا، وعدوا الحكم إلى غيرها مما وجدت فيه العلة. وأنتم تقولون بالربا في غير الأصناف الستة. فكيف تعدون ما نص علية في الربا، ولا تعدون ما نص عليه في استعمال آنية الذهب والفضة؟

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ١٠٩٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ١٠٩٧