وقولهم: لو كانت حراما مطلقا لأمر النبي (بتكسيرها؛ لأنها إذا كانت محرمة في كل الاستعمالات ما كان لبقائها فائدة. يجاب عليه بأنها ليست محرمة في ذاتها، وإنما المحرم هو استعمالها آنية، ولذا فإن لبقائها فائدة، ويمكن الانتفاع بها؛ مثل تحويلها إلى نقود، أو حلي للنساء، أو خاتم فضة للرجال، أو قبيعة سيف، أو استعمالها فيما تدعو له الضرورة؛ كشد الأسنان بالذهب، أو اتخاذ أنف من ذهب، كما أمر به رسول الله (عرفجة بن أسعد. رواه الترمذي وأبو داود والنسائي. وقال الترمذي:هذا حديث حسن غريب (1) . وقال النووي: حديث حسن (2) .
وقولهم: كون الرسول (يعلق الحكم بالأكل والشرب لأن مظهر الأمة فيهما أبلغ منه في غيرهما، وأن هذه علة تقتضي تخصيص الحكم بهما؛ لأنه لاشك أن الذي أوانيه في الأكل والشرب ذهب وفضة ليس كمثل من يستعملها في حاجات تخفى على كثير من الناس. هذا القول غير مسلم؛ فمظهر الإنسان بالترف في استعمال حمام، أو مغطس، أو صنبور من الذهب، أو الفضة أبلغ من استعمال ملعقة أكل من ذهب أو فضة.
وقولهم: لاشك أن الذي أوانيه في الأكل والشرب ذهب وفضة ليس كمثل من يستعملها في حاجات تخفى على كثير من الناس مردود؛ لأن الحكم غير منوط بعلم استعمالها أو خفائه، وإنما هو منوط باستعمالها. سواء علم أم خفي. فإن من يشرب في كأس من الفضة في مكان لا يراه الناس لا يمكن أن يقول أحد إنه جائز.
5 والاحتجاج بالبراءة الأصلية غير مسلم، فأحاديث الباب شاملة بمفهومها سائر الاستعمالات، والحديثان اللذان رواهما الإمام أحمد وأبو داود وفيهما النهي عن آنية الذهب والفضة، دون ذكر للأكل أو الشرب، فيهما نهي عام فشمل سائر الاستعمالات، فانتفت البراءة الأصلية التي يحتج بها المجيزون. وتأييد الشوكاني لاحتجاجه بحديث ﴿عليكم بالفضة فالعبوا بها لعبا﴾ (1) . لم يظهر لي وجه الدلالة منه. ثم ما هو وجه التفريق بين الذهب والفضة في باب الآنية؟ وقد جاء في حديث حذيفة وأم سلمة النهي عن الشرب في الفضة، ثم إن هذا الحديث جاء في لباس الحلي، وموضوع الاستدلال على الأواني. والذي يظهر لي أن في هذا التأييد تعسفا.
6 بالنسبة لحديث الجلجل جاء نص الحديث ب ﴿قُصةٍ﴾ وهي رواية الأكثر، وهو من صفة الشعر (2) . وقد اختلف في ضبطها فقيل ﴿فضة﴾ . وهي صفة للقدح. وما دام وجد الاختلاف لاسيما في موطن الاستدلال فإنه لا يصلح للاحتجاج للقاعدة الأصولية الدليل إذا تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال. وعلى فرض أن ضبطه فضة فيمكن أن يجاب عليه بأن هذا من باب الاحترام الزائد لشعر النبي (، والحرص الشديد عليه، لأنه شيء ثمين جدا، ولاسيما مع قلة الأواني الزجاجية، والفخارية في ذلك العصر، ولاسيما والجلجل صغير جدا لا يتسع لأكثر من ثلاثة أصابع.
الترجيح
بعد عرض أدلة الفريقن، ومناقشتها فالراجح عندي رأي جماهير الفقهاء وهو حرمة استعمال آنية الذهب والفضة في سائر الاستعمالات. وقولي هنا قاصر على آنية الذهب والفضة، واستعمال الآلات المصنوعة منهما. كالقلم، ومقابض الأبواب، وصنابير الماء، ونحو ذلك. أما المطلي بهما فسيأتي بيان حكمه في مبحث قريب إن شاء الله. وأما اللباس من حلي وغيره فلا يشمله هذا الرأي، لأن فيه تفصيلا؛ فمنه ما يحل وما يحرم. وترجيحي لهذا القول بناء على قوة دليله فالنهي عن الأكل والشرب تنبيه على النهي عن استعمال آنية الذهب والفضة في كل شيء، وهذا من بلاغة الرسول (فقد اكتفى بالتنبيه على أهم أنواع الاستعمال؛ لأن غيرها مقيس عليها، ولو ذكر أنواعا من الاستعمال غيرها لكان هذا غير محقق لإحصاء أنواع الاستعمال؛ لأن صور الاستعمال لا تنحصر، ولو انحصرت في عصره (فإنها لن تنحصر في العصور الأخرى؛ لأن أساليب الاستعمال تتعدد، وتتنوع من عصر إلى آخر. ومثله نص الرسول (في أحاديث الربا على الأصناف الستة، وقد عدْا جماهير الفقهاء ومنهم أصحاب القول الثاني حكمه إلى غيرها. فكما لم يقصروا الربا على الأصناف الستة كان عليهم ألا يقصروا حرمة استعمال أواني الذهب والفضة على الأكل والشرب. وأما أن النبي (لم يأمر بتكسيرها فلأنها ليست محرمة في ذاتها، وإنما المحرم هو استعمالها آنية، ولذا فإن في بقائها فائدة، ويمكن الانتفاع بها مثل تحويلها إلى نقود، أو حلي للنساء، وغيره من الاستعمالات المباحة.