القول الثاني: يحرم استعمال آنية الذهب والفضة في الأكل والشرب. ويحل استعمالها في الاستعمالات الأخرى. مع الكرهة وهو قول الشافعي في القديم (1) . وقال الشوكاني؛ والشيخ محمد بن صالح العثيمين: يجوز استعمال أواني الذهب والفضة في سائر الاستعمالات بدون كراهة؛ ماعدا الشرب أو الأكل. وأجاز داود بن علي الظاهري الأكل فيها، وقصر الحرمة على الشرب فقط (2) . وفي الإنصاف (وقيل لا يحرم استعمالها بل يكره) (3) . قال المرداوي: وهو ضعيف جدا (4) .
أدلة أصحاب القول الثاني:
استدل أصحاب القول الثاني بالأدلة التالية:
(النبي (نهى عن شيء مخصوص وهو الأكل والشرب، ولو كان المحرم غيرهما لكان النبي (وهو أبلغ الناس، وأبينهم في الكلام، لا يخص شيئا دون شيء. بل إن تخصيصه الأكل والشرب دليل على أن ما عداهما جائز، لأن الناس ينتفعون بهما في غير ذلك. ولو كانت حراما مطلقا لأمر النبي (بتكسيرها، كما كان لا يدع شيئا فيه تصاوير إلا كسره، لأنها إذا كانت محرمة في كل الحالات ما كان لبقائها فائدة) (5) .
2 روى البخاري من حديث عثمان بن عبد الله بن وهب قال: (أرسلني أهلي إلى أم سلمة بقدح من ماء، وقبض إسرائيل ثلاث أصابع من قٌصةٍ فيها شعر من شعر النبي (وكان إذا أصاب الإنسان عينٌ أو شيءٌ بعث إليها مخضَبهُ فاطلعت في الجلجل فرأيت شعراتٍ حمرا) (6) .
وفي الطبعة اليونينيت من صحيح البخاري (من قصة) . وفيها: وفي رواية أبي زيد (من فضة) (7) . وفي صحيح البخاري مع شرحه عمدة القاري، وفي الطبعة المنيرية من فضة) (8) .
الجلجل:الجرس الصغير، وصوته الجلجلة (9) . وقد تنزع منه الحصاة التي تتحرك فيوضع فيه ما يحتاج إلى صيانته (10) .
عثمان بن عبد الله بن موهب هو التميمي مولى آل طلحة. تابعي. (11) .
إسرائيل:هو ابن يونس بن أبي إسحاق (12) .
ثلاث أصابع:إشارة إلى صغر القدح (13)
وقد اختلف في ضبط (قصة) هو بقاف مضمومة ثم صاد مهملة أو بفاء مكسورة ثم ضاد معجمة؟ (1) .
قال ابن حجر) إن كان بالفاء والمعجمة فهو بيان لجنس القدح) [يعني فضة] . وإن كان بالقاف والصاد المهملة فهو من صفة الشعر، على ما في التركيب من قلق العبارة) (2) .
قال ابن دحية: وقع لأكثر الرواة بالقاف والمهملة، والصحيح عند المحققين بالفاء والمعجمة، وقد بينه وكيع في مصنفه بعد ما رواه عن اسرائيل فقال (كان جلجلا من فضة صيغ صوانا لشعرات كانت عند أم سلمة من شعر النبي () (3) . (وقد ذكرالحميدي في الجمع بين الصحيحين بلفظ دال على أنه بالفاء والمعجمة، ولفظه ﴿أرسلني أهلي إلى أم سلمة بقدح من ماء، فجاءت بجلجل من فضة فيه شعر الخ﴾ ولم يذكر قول اسرائيل، فكأنه سقط على رواة البخاري قوله ﴿فجاءت بجلجل﴾ وبه ينتظم الكلام ويعرف منه أن قوله ﴿من فضة﴾ أنه صفة الجلجل، لا صفة القدح الذي أحضره عثمان بن موهب) (4) . قال القاضي عياض: (والأشبه عندي رواية من قال من فضة…لقوله بعد فاطلعت في الجلجل، ولمفهوم الحديث) (5) . ورجح القسطلاني، والموصلي، والعيني، أنها من فضة (6) .
وجه الدلالة:استعمال أم سلمة رضي الله عنها لجلجل من فضة -على رأي من يرجح من العلماء أن اللفظة الواردة في الحديث هي من فضة وليست من قصة- لحفظ شعرات من شعر الرسول (دليل على جواز استعمال أواني الفضة في غير الأكل والشرب، والذهب مثلها.
3 ويمكن أن يستدل لهم بما جاء عن ابن عباس أن رسول الله (قد كان أهدى جمل أبي جهل الذي استلب يوم بدر في رأسه بُرَةٌ (7) من فضة عام الحديبية في هديه. وقال في موضع آخر: ليغيظ بذلك المشركين (8) . صححه الحاكم ووافقه الذهبي (9) .
4 الأصل الحل فلا تثبت الحرمة إلا بدليل. ولا دليل في المقام بهذه الصفة؛ فالوقوف على ذلك الأصل المعتضد بالبراءة الأصلية هو وظيفة المنصف لاسيما وقد أيد هذا الأصل (1) . حديث ﴿ولكن عليكم بالفضة فالعبوا بها لعبا﴾ روه أحمد وأبو داود (2) من حديث أبي هريرة.