تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما العارف بالحكم فيستعمل معه أسلوب الوعظ والنصح والتخويف من الله تعالى، ويذكر له بعض النصوص من القرآن والسنة المشتملة على الترهيب والوعيد، كما يذكر له بعض أقوال السلف في ذلك، ويكون بأسلوب الحكمة والموعظة الحسنة.. وحتى لو كان عارفاً لهذه النصوص فلها تأثيرها، لأن ذلك من قبل الذكرى، والله تعالى يقول: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الْذِّكَرى تَنْفَعُ المؤمِنَيْنَ﴾ (1) .

ويبين له ما أعده الله للطائعين من عباده، ويذكره بالموت، وأنه ليس لمجيئه وقت محدد، بل يأتي بغتة، وربما يأتي إلى الإنسان وهو واقع في المعصية، فتكون خاتمته سيئة والعياذ بالله.

يا مَنْ بدنياهُ اشتغلْ

وغرَّه طولُ الأمل

الموتُ يأتي بغتةً

والقبرُ صندوقُ العملْ

ويبين له أن هدفه من نصحه وإرشاده إنما هو من أجل حبه له، وخوفه عليه من العقاب، وأنه ما فعل ذلك إلا شفقة عليه ورحمة به، وليحرص كل الحرص، أن تكون الموعظة سراً بينه وبين المنصوح، حتى لا تأخذه العزة بالإثم فيرفض قبولها، وحتى يطمئن له وتتقبل نفسه لسماع النصيحة، وحتى يعلم بحق أنه ليس للناهي هدف سوى النصيحة وإرادة الخير له.

قال سليمان الخواص: من وعظ أخاه فيما بينه وبينه فهي نصيحة، ومن وعظه على رؤوس الناس فإنما فضحه (2) .

وعن عبد الله ابن المبارك قال: (كان الرجل إذا رأى من أخيه ما يكره أمره في ستر، ونهاه في ستر، فيُؤجر في ستره ويُؤجر في نهيه، فأما اليوم فإذا رأى أحد من أحد ما يكره استغضب أخاه، وهتك ستره) (3) .

ورحم الله الإمام الشافعي إذ يقول:

تَعمدني بنصحكَ في انفرادٍ

وجنبني النصيحةَ في الجماعةْ

فإنَّ النصحَ بينَ الناسِ نوعٌ

من التوبيخِ لا أرضى استَماعهْ

فإنْ خَالفتني وعصيتَ أمْري

فلا تجزعْ إذا لم ُتعطَ طاعةْ (4)

الخطوة الثالثة: الغلظة بالقول:

وهذه الخطوة يلجأ إليها المُنكر بعد عدم جدوى أسلوب اللطف واللين، فحينئذ يغلظ له القول، ويزجره مع مراعاة قواعد الشرع في ذلك. وعليه ألا ينطق إلا بالصدق، ولا يطيل لسانه بما لا يحتاج إليه بل على قدر الحاجة.

وقد استعمل أبو الأنبياء إبراهيم – عليه السلام – هذا الأسلوب، قال تعالى حكاية عنه: ﴿أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (1) .

الخطوة الرابعة: التهديد والتخويف:

وهذه الخطوة هي آخر المحاولات في النهي باللسان، ويعقبها بعد ذلك إيقاع الفعل كأن يقال لمرتكب المنكر: إن لم تنته عن هذا الفعل لأفعلنَّ بك كذا وكذا. أو لأخبرن بك السُلطات لتسجنك وتعاقبك على فعلك.

ولكن ينبغي أن يكون هذا التهديد والتخويف في حدود المعقول عقلاً وشرعاً حتى يعرف أن المنكر صادق في تهديده، لأنه لو هدده بأمور غير جائزة شرعاً وغير معقولة عرف أنه غير جاد في كلامه (2) .

المرتبة الثالثة: الإنكار بالقلب:

إذا عجز المؤمن عن الإنكار باليد واللسان، انتهى إلى الإنكار بالقلب فيكره المنأكر بقلبه، ويبغضه، ويبغض أهله – يعلم الله ذلك منه - إذا عجز عن تغييره بيده ولسانه – وهذا الواجب لا يسقط عن المؤمن بوجه من الوجوه، إذ لا عذر يمنعه ولا شيء يحول بينه وبينه، وليس هناك شيء من التغيير ما هو أقل منه، كما جاء في حديث أبي سعيد المتقدم ((وذلك أضعف الإيمان)) (3) يعني أقل ما يمكن به تغيير المنكر.

وكذلك الحديث الآخر عن ابن مسعود رضي الله عنه ((وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل)) (4) ، أي لم يبق بعد هذا من الإنكار ما يدخل في الإيمان حتى يفعله المؤمن ويثاب عليه، بل الإنكار بالقلب آخر حدود الإيمان.

قيل لابن مسعود – رضي الله عنه – من ميت الأحياء؟ فقال: الذي لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً (5) .

وهذا هو المفتون الموصوف في حديث حذيفة بن اليمان – رضي الله عنه – بأنه لا

يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً إلا ما أُشرب من هواه) (1) .

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ١٠٧٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ١٠٧٥