وهنا أود أن أشير إلى أن المرأة لها أن تنكر على من تستطيع الإنكار عليه من النساء، ومن أقاربها من الرجال.
فقد وردعن عائشة – رضي الله عنها – أنها رأت امرأة بين الصفا والمروة عليها خميصة من صُلُب – أي ثوب عليه خطوط متصالبة – فقالت عائشة -: ((انزعي هذا من ثوبك فإن رسول الله – (– إذا رآه في ثوب قضبه)) (2) .
وأوصت النساء بقولها: ((مُرْن أزواجكن أن يستطيبوا بالماء، فإني استحييهم فإن رسول الله (كان يفعله)) (3) .
كما ورد عنها – رضي الله عنها – أنها رأت أخاها عبد الرحمن يسرع في الوضوء ليدرك صلاة الجنازة على سعد بن أبي وقاص، فقالت: يا عبد الرحمن أسبغ الوضوء فإني سمعت رسول الله (يقول: ((ويل للأعقاب من النار)) (4) .
قال ابن رجب – رحمه الله – عند شرحه لحديث أبي سعيد ((من رأى منكم منكراً)) بعد أن ساق عدة أحاديث (فدلت هذه الأحاديث كلها على وجوب إنكار المنكر بحسب القدرة عليه، وأما إنكاره بالقلب لا بد منه، فمن لم ينكر قلبه المنكر دل على ذهاب الإيمان من قلبه) (5) .
وإذا لم يستطع الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، تغيير المنكر بيده، ولا بلسانه، فإنه يجب عليه حينئذ إنكاره بقلبه – كما سبق بيانه – وعليه أن يهجر المنكر وأهله، فإن عجزه عن الإنكار ليس عذراً يبيح له مشاهدة ذلك المنكر أو مجالسة أهله.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الْذِينَ يَخُوضُوْنَ فَي آيَاتِنا فَأْعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فَي حَدِيْثٍ غَيْرِهِ﴾ (6) .
وقال سبحانه: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فَي الكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوْضُواْ فَي حَدِيْثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذَاً مثْلُهُمْ﴾ (7) .
قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي – رحمه الله – عند هذه الآية (وكذلك يدخل فيه حضور مجالس المعاصي والفسوق التي يُستهان فيها بأوامر الله ونواهيه، وتقتحم حدوده التي حدها لعباده..) (1) .
وبهذا يتبين لنا أن الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر الداعي إلى الله على علم وبصيرة، لا بد له من معرفة مراتب إنكار المنكر وضوابطها وخطواتها، والالتزام بالعمل بها، حتى ينجح في دعوته، وتؤتي ثمارها الطيبة.
القاعدة الخامسة: تقديم الأهم على المهم:
إن البدء بالأهم فالأهم من القواعد التي تحكم القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذلك بأن يبدأ الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر بإصلاح أصول العقيدة، فيأمر بالتوحيد وإخلاص العبادة لله وحده، وينهى عن الشرك والبدع والشعوذة، ثم يأمر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، ثم بقية الفرائض وترك المحرمات، ثم أداء السنن وترك المكروهات.
والبدء بالدعوة إلى التوحيد وإخلاص العبادة لله عز وجل هو منهج الرسل جميعاً، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فَي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُوْلاً أَنِ اْعْبُدُواْ اللهَ وَاْجْتَنِبُواْ الْطَّاغُوت﴾ َ (2) .
وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَّسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَّا فَاعْبُدُون﴾ َ (3) .
وقال عز وجل: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونَ الرَّحَمنِ آلهةً يُعْبَدُونَ﴾ (4) .
وقد تكررت مقولة الأنبياء عليهم السلام ﴿.. يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (5) .
وقد سار خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد- (– على نهج إخوانه المرسلين – عليهم السلام – فقد بدأ بما بدأبه أنبياء الله، وانطلق من حيث انطلقوا، إلى توحيد الله وإخلاص العبادة له وحده، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلهِ رَبِّ العَالَمِينَ. لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ المسلِمِينَ﴾ (1) .