تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

المرتبة الثانية: الإنكار باللسان وضوابطه:

وذلك حينما لا يستطيع من رأى المنكر تغييره بيده لعدم سلطته على مرتكبه، أو لما يترتب عليه من المفسدة المساوية أو الراجحة، فإنه ينتقل إلى التغيير باللسان، وذلك بتعريف الناس بالحكم الشرعي بأن هذا محرم ومنهي عنه، فقد يرتكب المنكر لجهله به، فيمكن تغيير المنكر عن طريق الوعظ، والنصح، والارشاد، والترغيب، والترهيب، والتقريع،والتعنيف ونحو ذلك من البيان.

وهذه المرتبة يلتقي فيها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالدعوة إلى الله، فكلاهما بيان للحق وترغيب فيه، وتنبيه على الباطل، وتحذير منه، وتخويف وترهيب عنه، بما يناسب حال المخاطب ويقتضيه المقام (1) .

خطوات تغيير المنكر باللسان:

ولتغيير المنكر باللسان أربع خطوات:

الخطوة الأولى: التعريف باللين واللطف:

وذلك بأن يعرف مرتكب المنكر – إما بالإشارة أو التعريض حسب الموقف – بأن هذا العمل لا ينبغي أو حرام، وأنت لستَ ممن يفعل ذلك بالقصد، فأنت أرفع من ذلك، فإن الجاهل يقدم على الشىء لا يظنه منكراً، فإذا عرف أنه منكر تركه وأقلع عنه، فيجب تعريفه باللطف والحكمة والرفق واللين، حتى يقبل ولا ينفر. ويقال له مثلاً: إن الإنسان لا يولد عالماً ولقد كنا جاهلين بأمور الشرع حتى علمنا العلماء.. وهكذا يتلطف به ليحصل التعريف من غير إيذاء (2) .

فعن عائشة –رضي الله عنها – قالت: قال رسول الله – (-: ((إن الله يحب الرفق في الأمر كله)) (3) .

وعنها –رضي الله عنها- قالت: قال: رسول الله – (-: ((إنَّ الرفق لا يكون في شىء إلا زانه، ولا ينزع من شىء إلا شانه)) (4) .

وعنها –رضي الله عنها- قالت: ((كان النبي- (–إذا بلغه عن الرجل الشىء لم يقل: ما بال فلان يقول؟ ولكن يقول: ما بال أقوام يقولون كذا وكذا)) (5) .

قال أحمد بن حنبل: كان أصحاب ابن مسعود إذا مروا بقوم يرون منهم ما يكرهون، يقولون: مهلاً رحمكم الله (6) .

وجاء جماعة من اليهود فدخلوا على النبي- (- فقالوا: السام عليك يا محمد -يعنون الموت-، وليس مرادهم السلام – فسمعتهم عائشة –رضي الله عنها – قالت: عليكم السام واللعنة. وفي لفظ آخر: ولعنكم الله، وغضب عليكم. فقال رسول الله - (-: ((يا عائشة إن الله يحب الرفق في الأمر كله)) قالت: ألم تسمع ما قالوا؟ قال: ((ألم تسمعي ما قلت لهم: وعليكم، وإنا نجاب عليهم، ولا يجابون علينا)) (1) .

فالنبي (رفق بهم وهم يهود،رغبة في هدايتهم، لعلهم ينقادون للحق، ويستجيبون لداعي الإيمان.

فالآمر بالمعروف والناهي عن المنكر الموفق هو الذي يتحرى الرفق والعبارات المناسبة، والألفاظ الطيبة عندما يعظ وينصح الناس، في المجلس، أو في الطريق، أو في أي مكان، يدعوهم بالرفق والكلام الطيب، حتى ولو جادلوه في شيء خفي عليهم، أو كابروا فيه، فيجادلهم بالتي هي أحسن، كما قال تعالى: ﴿اُدْعُ إِلَى سَبِيْلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةٍ وَالموعِظَةِ الحَسَنةٍ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (2) .

وقال سبحانه: ﴿وَلا تُجَادِلُواْ أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالْتَّي هِيَ أَحْسَنُ إِلا الْذَّيْنَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ﴾ (3) .

فهذا الأسلوب مع أهل الكتاب – وهم اليهود والنصارى وهم كفار – فما بالك مع المؤمنين؟ فإذا كان المقام مقام تعليم ودعوة وإيضاح للحق، فإنه يكون بالتي هي أحسن، لأن هذا هو أقرب إلى الخير، وأدعى لتقبل النصيحة كما كان يفعل النبي (في دعوته.

فهذه طريقة السلف رحمهم الله في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تحري الرفق مع العلم والحلم والبصيرة والعمل بما يدعون إليه، وترك ما ينهون عنه، وهذه هي القدوة الصالحة.

الخطوة الثانية: النهي بالوعظ والنصح والتخويف من الله تعالى:

وهذه الخطوة تتعلق غالباً في مرتكب المنكر العارف بحكمه في الشرع بخلاف الخطوة الأولى، فهي في الغالب تستعمل للجاهل في الحكم.

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ١٠٧٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ١٠٧٤