وعن عبد الله ابن مسعود –رضي الله عنه- أن رسول الله (قال: ((ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خُلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل..)) الحديث (2) .
وفيما يلي مراتب إنكار المنكر:
المرتبة الأولى: الإنكار باليد وشروطه:
وهي أقوى مراتب الإنكار وأعلاها، وذلك كإراقة الخمر، وكسر الأصنام المعبودة من دون الله، ومنع من أراد الشر بالناس وظلمهم من تنفيذ مراده، وكإلزام الناس بالصلاة، وبحكم الله الواجب اتباعه ونحو ذلك.
وذلك لمن كان له ولاية على مرتكب المنكر كالسلطان أو من ينيبه عنه كوالي الحسبة وموظفيه كل بحسب اختصاصه وكذا المسلم مع أهله وولده، يلزمهم بأمر الله، ويمنعهم مما حرم الله، باليد إذا لم ينفع فيهم الكلام يقوم بهذا حسب الوسع والطاقة (1) .
وقد جاء في القرآن الكريم عن إبراهيم –عليه السلام -: ﴿وَتَاللهِ لأكِيْدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّواْ مُدْبِرِينَ. فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً إِلا كَبِيْرَاً لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ (2) فإبراهيم – عليه السلام- كسر الأصنام بيده.
وقال تعالى: ﴿وَاْنظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الْذِّي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفَاً لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فَي الْيَمِّ نَسْفَاً﴾ (3) ، فأخبر-سبحانه – عن كليمه موسى-عليه السلام – أنه أحرق العجل الذي عبد من دون الله ونسفه في اليم.
وقد ورد عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: ((دخل النبي صلى لله عليه وسلم مكة وحول البيت ستون وثلاثمائة نصب فجعل يطعنها بعود في يده، ويقول: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ البَاطِلُ إِنَّ البَاطِلَ كَانَ زَهُوْقَاً﴾ (4) (5) .
وعن أبي هريرة –رضي الله عنه- قال: قال رسول الله – (– ((والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكماً مقسطاً فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد)) (6) .
وعن أنس بن مالك –رضي الله عنه- قال: ((كنت أسقي أبا عبيدة وأبا طلحة وأبي ابن كعب من فضيخ زهو وتمر (7) فجاءهم آت فقال: إن الخمر قد حرمت، فقال أبو طلحة: قم يا أنس فأهرقها فهرقتها)) (8) .
وعن ابن عباس –رضي الله عنهما- عن النبي-صلى اله عليه وسلم- ((أنه نزع خاتم ذهب من يد رجل آخر)) (1) .
وفي الصحيح عن أبي بشير الأنصاري –رضي الله عنه- أنه كان مع النبي – (– في بعض أسفاره، ((فأرسل رسولاً أن لا يبقينَّ في رقبة بعير قلادة من وتر أو قلادة إلا قُطعت)) (2) .
وعن عائشة –رضي الله عنها – ((أن النبي- (– لم يكن يترك في بيته شيئاً فيه تصاليب إلا نقضه)) (3) .
وعنها –رضي الله عنها – أنها كانت قد اتخذت على سهوة (4) لها ستراً فيه تماثيل فهتكه (5) النبي- (– فاتخذت منه نمرقتين، فكانتا في البيت يجلس عليهما)) (6) .
فهذه بعض الأدلة ونظيرها كثير تدل على تغيير المنكر باليد، بالقول والفعل من الرسول (وصحابته الكرام – رضوان الله عليهم- ومن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
ولكن التغيير للمنكر باليد لا يصلح لكل أحد وفي كل منكر، لأن ذلك يجر من المفاسد والاضرار الشىء الكثير، وإنما يكون ذلك لولي الأمر أو من ينيبه، مثل رجال الهيئات والحسبة، الذين نصبهم ولي الأمر للقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكالرجل في بيته يغير على أولاده، وعلى زوجته وعلى خدمه، فهؤلاء يغيرون بأيديهم بالطريقة الحكيمة المشروعة (7) .
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله- (وليس لأحد أن يزيل المنكر بما هو أنكر منه، مثل أن يقوم واحد من الناس يريد أن يقطع يد السارق ويجلد الشارب، ويقيم الحدود، لأنه لو فعل ذلك لأفضى إلى الهرج والفساد، لأن كل واحد يضرب غيره ويدعي أنه استحق ذلك، فهذا ينبغي أن يقتصر فيه على ولي الأمر) (8) .