تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ((التشبيه الممتنع إنما هو مشابهة الخالق للمخلوق في شيء من خصائص المخلوق أو أن يماثله في شيء من صفات الخالق.

فإن الرب تعالى منزه عن أن يوصف بشيء من خصائص المخلوق، أو أن يكون له مماثل في شيء من صفات كماله وكذلك يمتنع أن يشاركه غيره في شيء من أموره بوجه من الوجوه)) (5) .

وقال أيضاً: ((وأما لفظ المشبهة، فلا ريب أن أهل السنة والجماعة والحديث من أصحاب مالك والشافعي وأبي حنيفة وأحمد وغيرهم متفقون على تنزيه الله تعالى عن مماثلة الخلق، وعلى ذم المشبهة الذين يشبِّهون صفاته بصفات خلقه ومتفقون على أن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله)) (1) .

النقطة الرابعة: وهي اليأس من إدراك كنهها وكيفيتها.

التكييف: هو أن يعتقد المثبت أن كيفية صفات الله تعالى كذا وكذا من غير أن يقيدها بمماثل. وهذا اعتقاد باطل بدليل السمع والعقل.

أما السمع: فمنه قوله تعالى ﴿ولايحيطون به علما﴾ [طه 110] وقوله ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا﴾ [الإسراء 36] . ومن المعلوم أنه لا علم لنا بكيفية صفات ربنا لأنه تعالى أخبرنا عنها ولم يخبر عن كيفيتها فيكون تكييفنا قفوا لما ليس لنا به علم وقولاً بما لم يمكننا الإحاطة به.

وأما العقل: فلأن الشيء لا تعرف كيفية صفاته إلا بعد العلم بكيفية ذاته، أو العلم بنظيره المساوي له، أو بالخبر الصادق عنه، وكل هذه الطرق منتفية في كيفية صفات الله عز وجل فوجب بطلان تكييفها.

وأيضاً فإننا نقول: أيّ كيفية تقدرها لصفات الله تعالى؟

إن أيّ كيفية تقدرها في ذهنك فالله أعظم وأجل من ذلك.

وأيّ كيفية تقدرها لصفات الله تعالى فإنك ستكون كاذباً فيها لأنه لا علم لك بذلك.

وحينئذ يجب الكف عن التكييف تقديراً بالجنان أو تقريراً بالسان أو تحريراً بالبنان.

ولقد سار السلف جميعهم على منع التكييف في صفات الله تعالى، ولهذا لما سئل الإمام مالك رحمه الله تعالى عن قوله ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ [طه 5] كيف استوى؟ أطرق رحمه الله برأسه حتى علاه الرحضاء (العرق) ثم قال: ((الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة)) (1) . وروى عن شيخه ربيعة أيضاً: ((الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول)) (2) . وقد مشى أهل العلم بعدهما على هذا الميزان. وإذا كان الكيف غير معقول ولم يرد به الشرع فقد انتفى عنه الدليلان العقلي والشرعي، فوجب الكف عنه.

فالحذر الحذر من التكييف ومحاولته فإنك إن فعلت وقعت في مفاوز لا تستطيع الخلاص منها، وإن ألقاه الشيطان في قلبك فاعلم أنه من نزغاته فالجأ إلى ربك فإنه معاذك وافعل ما أمرك به فإنه طبيبك، قال الله تعالى ﴿وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم﴾ [الأعراف 200] )) (3) .

وقال ابن القيم: ((والعقل قد يئس عن تعرف كنه الصفة وكيفيتها، فإنه لا يعلم كيف الله إلا الله، وهذا معنى قول السلف ((بلا كيف)) أي بلا كيف يعقله البشر، فإن من لا تعلم حقيقة ذاته وماهيته، كيف تعرف كيفية نعوته وصفاته؟

ولا يقدح ذلك في الإيمان بها ومعرفة معانيها، فالكيفية وراء ذلك، وكما أنا لا نعرف معاني ما أخبر الله به من حقائق ما في اليوم الآخر، ولا نعرف حقيقة كيفيته، مع قرب ما بين المخلوق والمخلوق. فعجزنا عن معرفة كيفية الخالق وصفاته أعظم وأعظم.

فكيف يطمع العقل المخلوق المحصور المحدود في معرفة كيفية من له الكمال كله، والجمال كله، والعلم كله، والقدرة كلها، والعظمة كلها والكبرياء كلها، من لو كُشف الحجاب عن وجهه لأحرقت سبحاته السموات والأرض وما فيها وما بينهما، وما وراء ذلك. الذي يقبض سمواته بيده، فتغيب كما تغيب الخردلة في كف أحدنا، ونسبة علوم الخلائق كلها إلى علمه أقل من نسبة نَقْرَة عصفور من بحار العلم الذي لو أن البحر -يمده من بعده سبعة أبحر- مداد، وأشجار الأرض - من حيث خلقت إلى يوم القيامة- أقلام: لفني المداد وفنيت الأقلام، ولم تنفد كلماته. الذي لو أن الخلق من أول الدنيا إلى آخرها - انسهم وجنهم وناطقهم وأعجمهم- جعلوا صفاً واحداً: ما أحاطوا به سبحانه، الذي يضع السماوات على إصبع من أصابعه والأرض على إصبع، والجبال على إصبع، والأشجار على إصبع، ثم يَهْزُّهُنَّ، ثم يقول: أنا الملك.

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ١٠٢١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ١٠٢١