تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أحدها: قوله تعالى ﴿للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم﴾ [النحل 60] .

الثاني: قوله تعالى ﴿وهو الذي يبدؤا الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الأعلى في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم﴾ [الروم 27] .

الثالث: قوله تعالى ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ [الشورى 11] .

فنفى سبحانه المماثلة عن هذا المثل الأعلى وهو ما في قلوب أهل سمواته وأرضه من معرفته والإقرار بربويته وأسمائه وصفاته وذاته. فهذا المثل الأعلى هو الذي آمن به المؤمنون وأنس به العارفون وقامت شواهده في قلوبهم بالتعريفات الفطرية، المكملة بالكتب الإلهية، المقبولة بالبراهين العقلية. فاتفق على الشهادة بثبوته العقل والسمع والفطرة فإذا قال المثبت: ((يا الله)) قام بقلبه رباً قيوماً قائماً بنفسه مستوياً على عرشه مكلماً متكلماً، سامعاً رائياً، قديراً سديدا فعالاً لما يشاء يسمع دعاء الداعين، ويقضي حوائج السائلين، ويفرج عن المكروبين، ترضيه الطاعات وتغضبه المعاصي تعرج الملائكة بالأمر إليه وتنزل بالأمر من عنده)) (1) .

النقطة الثالثة: وهي عدم تشبيهها أو تمثيلها بما للمخلوق. فإن الله سبحانه ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله.

فأما التمثيل: فهو اعتقاد المثبت أن ما أثبته من صفات الله تعالى مماثل لصفات المخلوقين.

وهذا اعتقاد باطل بدليل السمع والعقل.

أما السمع: فمنه قوله تعالى ﴿ليس كمثله شيء﴾ [الشورى 11] وقوله ﴿أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون﴾ [النحل 17] وقوله ﴿هل تعلم له سميا﴾ [مريم 65] وقوله ﴿ولم يكن له كفواً أحد﴾ [الإخلاص 4] وقوله تعالى ﴿فلا تضربوا لله الأمثال﴾ [النحل 74] وقوله ﴿ولله المثل الأعلى﴾ [النحل 60] .

أما العقل: فمن وجوه:

الأول: أنه قد علم بالضرورة أن بين الخالق والمخلوق تبايناً في الذات وهذا يستلزم أن يكون بينهما تباين في الصفات لأن صفة كل موصوف تليق به كما هو ظاهر في صفات المخلوقات المتباينة في الذوات فقوة البعير مثلاً غير قوة الذرة، فإذا ظهر التباين بين المخلوقات مع اشتراكها في الإمكان والحدوث، فظهور التباين بينها وبين الخالق أجلى وأقوى (2) .

الثاني: أن يقال كيف يكون الرب الخالق الكامل من جميع الوجوه مشابهاً في صفاته للمخلوق المربوب الناقص المفتقر إلى ما يكمله، وهل اعتقاد ذلك إلا تنقص لحق الخالق فإن تشبيه الكامل بالناقص يجعله ناقصاً (1) .

الثالث: أننا نشاهد في المخلوقات ما يتفق في الأسماء ويختلف في الحقيقة والكيفية فنشاهد أن للإنسان يداً ليست كيد الفيل وله قوة ليست كقوة الجمل مع الاتفاق في الاسم، فهذه يد وهذه يد، وهذه قوة وهذه قوة وبينهما تباين في الكيفية والوصف فعلم بذلك أن الاتفاق في الاسم لايلزم منه الاتفاق في الحقيقة.

والتشبيه كالتمثيل وقد يفرق بينهما بأن التمثيل: التسوية في كل الصفات.

والتشبيه: التسوية في أكثر الصفات لكن التعبير بنفي التمثيل أولى لموافقة القرآن ﴿ليس كمثله شيء﴾ [الشورى 11] .

وفي هذا الباب يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: ((الثالث: عدم تشبيهها بما للمخلوق، فإن الله سبحانه ليس كمثله شيء لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، فالعارفون به، المصدقون لرسله، المقرون بكماله: يثبتون له الأسماء والصفات وينفون عنه مشابهة المخلوقات فيجمعون بين الإثبات ونفي التشبيه، وبين التنزيه وعدم التعطيل، فمذهبهم حسنة بين سيئتين، وهدى بين ضلالتين، فصراطهم صراط المنعم عليهم، وصراط غيرهم صراط المغضوب عليهم والضالين. قال الإمام أحمد: ((لا نزيل عن الله صفة من صفاته لأجل شناعة المشنعين)) (2) وقال: ((التشبيه: أن تقول يد كيدي)) (3) تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً)) (4) .

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ١٠٢٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ١٠٢٠