فقاتل الله الجهمية والمعطلة أين التشبيه ههنا؟ وأين التمثيل؟ لقد اضمحل ههنا كل موجود سواه، فضلاً ممن يكون له ما يماثله في ذلك الكمال ويشابهه فيه. فسبحان من حجب عقول هؤلاء عن معرفته، وولاها ما تولت من وقوفها مع الألفاظ التي لا حرمة لها، والمعاني التي لا حقائق لها)) (1) .
النقطة الخامسة: وهي الإيمان بما تقتضيه تلك الصفات من الآثار وما يترتب عليها من الأحكام.
أي الإيمان بما تضمنته من المعاني وبما ترتب عليها من مقتضيات وأحكام. فهذا ما جاء الأمر به والحثُّ عليه في القرآن والسنة.
فمن القرآن قوله تعالى ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾ [الأعراف 180] ، والشاهد من الآية قوله ﴿فادعوه بها﴾ .
ووجه الاستشهاد أنَّ الله يدعو عباده إلى أن يعرفوه بأسمائه وصفاته، ويثنوا عليه بها، ويأخذوا بحظهم من عبوديتها فإن الدعاء بها يتناول:
دعاء المسألة: كقولك: ربي ارزقني.
ودعاء الثناء: كقولك سبحان الله.
ودعاء التعبد: كالركوع والسجود (2) .
ومن السنة قوله ش: ((إن لله تسعة وتسعين اسماً، مائة إلا واحداً من أحصاها دخل الجنة)) متفق عليه (1) .
الشاهد من الحديث: قوله ش: ((من أحصاها)) .
ووجه الاستشهاد: أن معنى من أحصاها: أي حفظها ألفاظاً، وفهم معانيها ومدلولاتها، وعمل بمقتضياتها وأحكامها.
فالعلم بأسماء الله وصفاته واعتقاد تسمي الله واتصافه بها هو من العبادة وإدراك القلب لمعانيها، وما تضمنته من الأحكام والمقتضيات، واستشعاره وتجاوبه لذلك بالقدر الذي يؤدي إلى سلامة تفكيره واستقامة سلوكه، هو عبادة أيضاً.
فأهل السنة يؤمنون بما دلَّت عليه أسماء الله وصفاته من المعاني، وبما يترتب عليها من مقتضيات وأحكام، بخلاف أهل الباطل الذين أنكروا ذلك وعطَّلوه.
ويجب تحقيق المقتضى والأثر لتلك الصِّفات، فلكُلِّ صفة عبوديةٌ خاصةٌ هي من موجباتها ومقتضياتها -أعني من موجبات العلم بها والتحقق بمعرفتها- فعلم العبد بتفرُّد الرَّبِّ بالخلق والرِّزق والإحياء والإماتة، يُثمر له عبودية ((التوكل)) .
وعلم العبد بجلال الله وعظمته وعزِّه، يُثمرُ له الخضوع والاستكانة والمحبة.
فالسَّلف يؤمنون بأسماء الله وصفاته، وبما دلَّت عليه من المعاني والأحكام، أما كيفيَّتها فيفِّوضون علمها إلى الله.
وهم برآء مما اتَّهمهم به المعطلة الذين زعموا أن السلف يؤمنون بألفاظ نصوص الأسماء والصِّفات، ويُفوِّضون معانيها.
وهذا الزعم جهلٌ على السَّلف، فإنهم كانوا أعظم النَّاس فهماً وتدبُّراً لآيات الكتاب وأحاديث النبي ش، خاصة فيما يتعلق بمعرفة الله تعالى، فكانوا يدرون معاني ما يقرأون ويحملون من العلم، ولكنَّهم لم يكونوا يتكلَّفون الفهم للغيب المحجوب، فلم يكونوا يخوضون في كيفيَّات الصِّفات شأن أهل الكلام والبدع، فإنهم حين خاضوا في ذات الله وصفاته وقعوا في التأويل والتَّعطيل، وإنما ألجأهم إلى ذلك الضيقُ الذي دخل عليهم بسبب التَّشبيه، فأرادوا الفرار منه فوقعوا في التعطيل، ولم يقع تعطيلٌ إلا بتشبيه، ولو أنهم نزَّهوا الله تعالى ابتداءً عن مشابهة الخلق، وأثبتوا الصِّفة مع نفي المماثلة لسَلموا ونجوا ولوافقوا اعتقاد السلف ولبان لهم أن السلف لم يكونوا حملة أسفار لا يدرون ما فيها.
ومن تدبَّر كلام أئمة السَّلف المشاهير في هذا الباب عَلِمَ أنهم كانوا أدقَّ النَّاس نظراً وأنهم أعلم النَّاس في هذا الباب وأن الذين خالفوهم لم يفهموا حقيقة أقوال السلف والأئمة، ولذلك صار أولئك الذين خالفوا مختلفين في الكتاب، مخالفين للكتاب، وقد قال تعالى ﴿وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد﴾ [البقرة 176] .
ومن له اطلاع على أقوال السَّلف المدوَّنة في كتب العقيدة والتفسير والحديث عند الحديث عن نصوص الصِّفات يعلم أن السَّلف تكلموا في معاني الصِّفات وبيَّنوها ولم يسكتوا عنها، وهذه الأقوال هي أكبر شاهدٍ على فهم السَّلف لمعاني الصِّفات وإيمانهم بها والله أعلم (1) .