النوع الخامس عشر: المعرفة بأوابد العرب وهي أمور كانت العرب تجري عليها أما على اعتقاد كونها دينا أو عادة أو خرافة ولا يستغني الذين يدرسون تاريخ المجتمع العربي أيام الجاهلية عن هذا الموضوع لما فيه من الشرح لكثير من هاته الأوابد.
ومن الطريف أن العادة المغربية التي تذكرنا بطفولتنا أيام كنا مثغرين فنلقي السن المزالة الصغيرة إلى الشمس نرجوها أن تبدلنا خيرا منها لها اتصال بهاته الأوابد الجاهلية فقد ذكر المؤلف رمي سن الصبي المثغر فقال: (يقولون أن الغلام إذا أصغر فرمى سنه في عين الشمس بسبابته وإبهامه وقال أبدليني بها أحسن منها أمن على أسنانه العوج والفلج والنغل قال طرفة:
بدلته الشمس من منبته بردا أبض مصقول الأشر (*)
النوع السادس عشر: معرفة عادات العرب وخص هذا النوع بالحديث عن أنواع النيران عند العرب وعما يقيمونه من الأسواق في شمال الجزيرة وجنوبها.
النوع السابع عشر: النظر في كتب التاريخ ليحتج ببعض الوقائع في كتابته وليستند عليها في إثارة الهمم وتذكير النفوس بالأمجاد كما يستغلها في إبطال حجج الخصم إذا ما حاول تحرير بعض الأحداث لمصالحه الخاصة.
وفي هذا النوع ذكر نبذا تاريخية لا يسامح الكاتب بجهلها منها معرفة بعض الأوائل كقوله مثلا:
أول من سمي خليفة أبو بكر االصديق.
أول من سمي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب.
أول من اعتاد حلق شعره من ملوك الديار المصرية الملك الناصر محمد قلاوون حين حج وتبعه الأمراء والجند على ذلك.
أول من صنف في علم الكلام واصل بن عطاء المعتزلي.
أول من خطب جالسا معوية حين كثر شحمه.
أول من أرخ عمر بن الخطاب.
أول من ضرب الدنانير والدراهم في الإسلام عبد الملك بن مروان، ضربها بالشام من فضة خالصة وكان الناس قبل ذلك يتعاملون بدراهم الفرس والروم.
فبالإطلاع على ما ذكره المؤلف نجد بعض النصوص التي تعيننا في دراستنا الحضارية، فنحن مثلا نرى هذا النص المتعلق بعبد الملك يبرز شخصيته الجريئة في محاولة تحقيق التعريب في أجلى مظاهره فهو الذي كان قد عرب الدواوين فرفع من مستوى اللغة العربية وأخرجها من إطارها العلمي إلى الإطار الإداري، وكلنه رأى أن تعريب اللغة ليس كافيا في فرض شخصية الدولة إذا لم يتجاوزها إلى تعريب الفكر والاقتصاد، ولذلك حقق ما عجز عنه غيره من الخلفاء الذين سبقوه وحقق للدولة الأموية ما كانت ترجوه من إثبات شخصيتها الذاتية، ولهذا فإننا نقول بأن عبد الملك كان نقطة تحول في تاريخ الإسلام على العموم وتاريخ الدولة الأموية على الخصوص، ولهذا مهد المجد لابنه من بعده فكان الوليد من أعظم الملوك.
ومن هاته النبذة التاريخية ذكر بعض الغرائب والمصادقات كقوله (*): (خليفة جرت أموره كلها على ثمانية وهو المعتصم فهو الثامن من خلفاء بني العباس، ومولده سنة ثمان وسبعين ومائة، وعمره ثمان وأربعون سنة، وكان ثامن أولاد الرشيد، وملك ثمان سنيني وثمانية أشهر وثمانية أيام، وخلف ثمانية بنين وثمان بنات وثمانية الألف دينار وثمانية فتوحات، وتوفي لثمان بقين من شهر ربيع الأول ومن ثم سمي المثمن).
وأنا أرى في وجه التسمية بعض المبالغات خصوصا بالنسبة إلى مخالفاته.
النوع الثامن عشر: المعرفة بخزائن الكتب وذكر أن أهم الخزائن التي كانت في الإسلام ثلاثة:
(*) الفلج: التباعد بين الأسنان -والنغل فساد الجلد- الأشر: أطراف الأسنان.
(*) صبح الأعشي الجزء الأول صفحة 441.