تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن الواضح أن هاته النصوص التي يأتي بها المؤلف تدفعنا إلى استقصاء ما خلفه العرب وإلى البحث عن هاته الكتب لتتصل بها مباشرة فيرتفع المستوى العلمي والأدبي عند الكتاب وهذا من أعظم مزايا القلقشندي في كتابه لأنه يثير فينا غريزة الاستطلاع ويحبب إلينا الصبر في طلب العلم فأحبب به من عمل.

النوع الثاني عشر: معرفة أنساب الأمم من العرب والعجم وقد ذكر أهم ما يحتاج إليه الباحث من الأنساب وأصول الأجناس وخصوصا ما يتعلق بأنساب العرب وأنظمتهم القبلية وقد جره الحديث إلى ذكر اختلاف الآراء في عروبة البربر فقال: (*) (وبالجملة فأكثر الأقوال جانحة إلى أنهم من العرب وإن لم نتحقق من أي عرب هم).

النوع الثالث عشر: المعرفة بمفاخرات الأمم ومسافراتهم وما جرى في ذلك من المحاورات والمراجعات والمناقضات وذكر أمثلة لكل جانب تحدث عنه فمن ذلك قوله: واعلم أن المفاخرة قد تكون بحقيقة الحسب وقد تكون فيها الفصاحة واللسن مقام الحسب كقول أبي تمام الطاني يفتخر:

أنا ابن استرضع المجد فيهم

عضوا وكان المكرمات لديهم

فأي يد في المجد مدت فلم يكن

هم استدعوا المعروف محفوظا ما لنا

وسمي فيهم وهو كهل ويافع

لكثرة ما وصوا لهن شرائع

لها راحة من مجدهم وأصابع

فضاع وما ضاعت لدينا الودائعمع أن أبا تمام لم يكن من طي، وإنما اندس فيها فقط كما ذكر ذلك كثير من الناس ونص عليه الصفدي في شرح اللامية.

ثم قال: (وربما كان الافتخار بالتورية والتعريض بالأمور المقتضبة للشرف بحيث يظن السامع حقيقة الافتخار والشرف بمجرد السماع فإذا عرف المقصد فبين له خلاف ذلك كقول أبي الحسن الجزار:

إلا قل للذي يسأ

لقد تسأل عن قوم

يرتقون دم الأنعا

وما زالوا لما يبدو

يرجيهم هو كلب

ل عن قومي وعن أهلي

كرام الفرع والصل

م في حزن وفي سهل

ن من يأس ومن بذل

ويخشاهم بنو عجلوإن الأمثلة التي أتى بها المؤلف لتشحذ ذكاء الكاتب وتقوي فيه روح الملاحظة فتعينه على الإنتاج السليم الرشيق.

النوع الرابع عشر (*): المعرفة بأيام الحروب التي كانت بين العرب ليكون على خبرة بما وقع في هاته الأيام فيستغل ذلك في كتابته، فقد يقضي الحال أن يمدح بعض الموالين لملكه فلا يجد سبيلا إلى ذلك إلا بأن يذكرهم بأيامهم المجيدة ومواقفهم الخالدة، وقد يقتضي الأمر أن يهجو بعض المخالفين والخارجين عن طاعة رئيسه فيذكرهم بأيام الهزيمة والخزي.

وقد يجره الأمر عند ذكر الأيام إلى ذكر بعض الأعلام المشهورة بالشجاعة والقوة فيجعلهم في مواطن التشبيه اعتمادا على ما اشتهروا به من صفات.

إلا أنني أرى أن هذا الجانب قد نكلفه الكتاب حتى أخرجوه عن الجمال الأدبي وأصبح صناعة يحاول الكاتب أن يظهر بواسطتها بعض علومه وذلك كما وقع لمؤلفنا نفسه حين قال في مدح المفر الزيني أبي يزيد الدرادار (*): (فلو لقبه فارس عبس لولى عابسا أو طرف حمى كليب لبات من حماه آيسا أو فارعه ربيعة بن مكدم لعلا بالسيف مفرقه أو نازله بسطام لبدد جمعه وفرقه) وكقول أبي نصر الفتح بن خاقان في حطبة كتابه قلائد العقيان: (لو جاوره كليب ما طرق حماه أو استجار به أحد من الدهر حماه أو كان بوادي الأخرم لكاف به ربيعة وأحرم أو استنجده الكندي ما كساه الملاءة أو كان حاضرا بسطام لما خر على الآلاءة).

(*) صبح الأعشي ج 1 ص 361.

(*) كرر لمؤلف أو الناسخ العدد الثالث عشر فسمى هذا النوع أيضا به وبنى عليه ما يعده فنحن نرى مثلا الجزء الثاني من صبح الأعشي يبتدأ بقوله: النوع الثامن عشر في الأحكام السلطانية مع أنه النوع التاسع عشر فانتبه.

(*) الدوادار: المكلف بشؤون البريد انظر الجزء الثالث من صبح الأعشي 396.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٥٢٣٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٥٢٣٠