تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

«النموذج الملكي» - وافترضنا هو أن افلوطين شعر منذ صغره بغياب معين، كان له أشد التأثير في نفسه وحياته وتفكيره، نقصد غياب الأب، أو على الأقل غياب سلطة الأب، واعتقادنا أن حادث المرضعة وكشفه عن ثديها حتى سن الثامنة، كان من علائم انعدام تلك السلطة وضعفها من حوله. لذلك كان تعلقه شديدا بامونيوس، عندما التقى به في الاسكندرية، وهو شاب في الثامنة والعشرين، ووفاؤه لذلك المعلم وفاء خالصا طويلا، رغم حنث رفاقه بالوعد الذي قطعوه على أنفسهم بأن يحتفظوا بتعليم امونيوس سريا، ورأينا فوق ذلك أن تأخره بالاسكندرية، وتأخره بالتالي عن إنشاء مدرسته الفلسفية، إنما هما من علائم مراهقة طويلة، وان تركه للاسكندرية ورحلته الى الشرق ثم الغرب، واستقراره بروما، ان كل ذلك من علامات يقظة نهائية وارادة حاسمة لتحقيق مشروع كامل كان في نفسه. وعاقته مختلف الأحداث القديمة و الجديدة، والشخصية و السياسية والتاريخية.

هذا هو افتراضنا، ويمكننا ان نعرض الى وصف الاله، كما يتبين من بعض أهم نصوص المقال الثامن للتساعيات السادسة.

في عنوان الكتاب "ارادة الواحد و حريته " اشارة واضحة الى صفة القدرة الالهية الكاملة، تلك الصفة التي يتم بها تعينه، و التي يعين بمقتضاها مرتبة الكائنات كلها وطبيعتها ووجودها.

ان الإله واحد، أي لاينقصه التعين، لا التعين بالحد او بالماهية، بل التعين بالاستقلال والانفراد الكاملين، انه في انفراد وانعزال كامل عما ليس هو.

انه ملك اذن، لان القدرة التي تتمثل في هذا الانفراد المطلق هي ما تجعله يظهر او لا يظهر للكائنات حسب مشيئته، انه هو الذي يختار وقت ومناسبة ظهوره، وصفة ذلك الظهور، كما يقول افلوطين في الفصل التاسع من " المقال المذكور ". هو الملك، يقولها افلوطين، اكثر من مرة (12 v 5 ,) (3 ، 5 v) لا ملك صدفة او اتفاق، بل ملك ارادته واختياره ومالكهما. فالملك ذاته هو الذي يقرر الظهور، لا الشعب ولا رغبات الشعب. ومن ناحية اخرى يكون ظهوره في موكب، وحسب نظام و ترتيب محكمين، يتقدم الموكب الحراس فالحاشية فأقرب القربين الى الملك، وفجأة يظهر الملك. وعلامة المفاجأة هذه ان كثيرا من المتفرجين على الموكب يرحلون قبل ظهور الملك ذاته، مكتفين برؤية حاشيته او المقربين اليه، رمزا لهؤلاء الذين يكتفون في التأمل بأبهى الأشياء في العالم المحسوس كالكواكب مثلا، او رمزا لهؤلاء الذين يكتفون بتأمل المثل والمعقولات. وهناك من المتفرجين من يتوقف حتى ظهور الشخص السابق على الملك، سواء أكان أميرا من الأمراء أو ابن الملك ذاته، رمزا لهؤلاء الذين يتأملون الملك في الجمال الكامل، أو لهؤلاء الذين يقفون في تفلسفهم عند العقل الالهي، كالاسكندريين مثلا.

وتتضح علامة المفاجأة هذه في تشبيه عظيم يقوم به أفلوطين في الفصل الخامس والثلاثين من الكتاب السابع للتساعية السادسة، حيث يتكلم عن شخص دعي لزيارة منزل أنيق، فأخذه العجب بكل ما فيه من أثاث وزخرف وصور وتماثيل، بلغت غاية الجمال. ولكن الباب يفتح فجأة على صاحب الدار، وللتو يترك الزائر كل ما كان ينظر فيه، ويهرع للقاء صاحب الدار.

يظهر الملك اذن دون سبق إعلان. يتساءل أفلوطين: وما الذي يقوله عندئذ، هذا الذي أسعده الحظ بالانتظار حتى النهاية؟ ما الذي يقوله؟ لا شيء. يقف واجما، لانه لم يعد هناك شيء جدير بالانتظار. وما الذي رآه؟ أشياء لا توصف بلغة بشرية.

ما الإله؟ انه ليس شيئا ينظر، انه يظهر في تلك اللحظة التي تتوقف عندها قدرتنا الشخصية على النظر، أي على التصويب الدقيق والرؤية المحددة.

فالإله ذاته هو النظرة، نظرة مستمرة (16، 8 VI) لا نظرة كائن منشغل بما يراه، ولا يقظة كائن منزعج على أمور لم تحدث بعد. إن الإله نظرة ويقظة فحسب، وبمقتضاها تتم التعيينات والأحداث.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٥٢٢٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٥٢٢٤