تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويؤدي بنا التمعن إلى أن تقرر أيضا أننا كنا متهيئين لها قادرين عليها، وان في طبيعتنا شيئا من الاله الذي قدرنا على هذا اللقاء وذلك الاتحاد، وان الإله «الغائب» ليس غائبا بالفعل، بل إننا نحن الذين كنا غائبين عنه، أو نائمين. إن الإله قديم فينا وفي العالم، وأن تفكيرنا الفلسفي يبلغ الوجود والحقيقة المطلقة عن العالمين المعقول والمحسوس، لأنه تفكير في الإله، وهو تفكير في الإله لأن الإله ذاته في أساس هذا التفكير ومصاحب لهذا التفكير.

يبدو إذن أن أفلوطين لا يقف عند لاهوت سلبي، وانه يحاول على أساس التجربة الصوفية أن يعطينا لاهوتا إيجابيا. والسؤال الذي يجب وضعه هنا هو: وكيف يكون هناك وصف إيجابي للإله على أساس التجربة الصوفية، ما دامت تلك التجربة تحرمنا من الكلام عن الإله في ذاته؟ يقول أفلوطين إنه لا بد من أن نعتمد في محاولتنا الإيجابية هذه على استعارات وتشبيهات ( VI 8,13 ) وتستمد تلك الاستعارات والتشبيهات قيمتها من يقين التجربة الصوفية ومن هذا الأساس الإيجابي الذي ذكرناه، أي اثبات وجود مبدأ أسمى يفسر العالم والعقل، هذا الأساس الذي اكتسب قوة عظمى بفضل التجربة الصوفية.

استخدم اذن أفلوطين منهجا سلبيا في اللاهوت، ثم استخدم منهج المماثلة والتشكيك، أي اعتمد، بعد التنزيه، على التشبيه.

وما مصدر التشبيه؟ ما هذا الشبه للإله؟ ما تلك الصورة؟ ما ذلك الرمز للإله الذي مكنه، بعد التجربة، من الكلام عن الإله ووصفه؟

للإجابة على هذا السؤال، يجب أن نعود مرة جديدة إلى تلك الدوافع التي قادت أفلوطين إلى اقتفاء آثار الإمبراطور الروماني جورديان، ثم إلى الاستقرار في روما، وتأسيس مدرسته الفلسفية فيها، بعد فشل الإمبراطور دورديان. والدوافع في كلتا الحالتين -ترك الاسكندرية إلى الشرق، والاستقرار في روما- واحدة، وهي متصلة إلى حد ما بشعور أفلوطين بالقلق أثناء حياته بالاسكندرية، وذلك بعدما لاحظ من تقلقل في الحالة السياسية وتعرض البلاد إلى الغزو. شعور لابد قد منعه من التفكير في إنشاء مدرسة فلسفية لها آثارها في حياة الأفراد والمجتمع. ولا يبعد أن يكون هذا الشعور قد أدى به إلى التفكير في روما لتكون مركز تلك المدرسة. ولكنا نعتقد أن تلك الدوافع متصلة اتصالا أشد بامبراطور روما نفسه. فإننا نرى أفلوطين رغم خيبة أمله من جورديان في آسيا، يذهب مباشرة إلى روما دون المرور بالاسكندرية ويفتح فيها مدرسة ويبدأ تعليما. ثم يجيء بعد ذلك، لاستماع دروسه في تلك المدرسة، الإمبراطور جاليان نفسه، الذي كان حاكما في ذلك الوقت. وبدأ أفلوطين يركن بعد ذلك إلى هذا الإمبراطور في شأن إنشاء «مدينة فاضلة» على غرار «جمهورية أفلاطون» يعيش فيها مع تلاميذه ومع سكان المناطق المجاورة.

ولسنا نريد الدخول هنا في الكلام عن جاليان، وعن الأعمال والإصلاحات التي قام بها أو شرع فيها (*) ولا شك في ان افلوطين عرف شيئا عن تلك الإصلاحات، مما شجعه على المضي في تعليمه الفلسفي، وعلى التفكير في مشروع مثل مشروع «المدينة الفاضلة». ولكنا نذهب أبعد من ذلك، ونفترض أنه رأى في شخص جاليان -بعد خيبة أمله في جورديان - قوة نموذجية، كان في أشد الحاجة إليها، وكانت غائبة من حوله، وذلك منذ صغره، بل نفترض فوق ذلك، ان فكرة «الملك» أو الإمبراطور هي فكرة لانموذج بشري كما يقول يونج ( Yung) أو هي فكرة للشبه الذي كان يبحث عنه أفلوطين لتوطيد نظريته في الإله.

ولا بد من أن نتساءل مرة أخرى: ولماذا بحث أفلوطين عن نموذج بشري للإله؟ ولماذا أخذ هذا النموذج، في خيال أفلوطين، صورة الملك أو الإمبراطور؟ ما السبب السيكولوجي الذي جعله يبحث عن هذا النموذج ويرضى بتلك الصورة؟.

لا نستطيع هنا إلا أن نضع على أساس ما ذكرناه في البداية (*)، افتراضا يتأيد نظريا على الأقل (*)، برضى افلوطين عن وصفه للإله، في ضوء

(*) راجع في هذا الموضوع مقالات ليون هومو الشهيرة في الإمبراطور جاليان وأزمة الإمبراطورية الرومانية، في «المجلة التاريخية» 1913.

(*) راجع (دعوة الحق) ماي يونيو 1963 صفحة 42

(*) واضح أن منهج علم النفس التحليلي لا يمكن أن يكون استنباطا في تاريخ الفلسفة ما دام (التحقيق) في هذا المنهج يقوم على ملاحظة فعلية للتطور السيكولوجي للإنسان الحي.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٥٢٢٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٥٢٢٣