تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لا! الإيمان بالله لا يمنح المجتمع الإسلامي مثل هذه السلطة؛ بل على النقيض كما ذكرنا يدفع أفراده إلى التحرر مما يعوق عن العمل والتفكير والسعي والتقويم، ووجود سلطة لها طابع العصمة فيما ترى وتحكم، وطابع النيابة عن الله فيما تتصرف وتوجه، من شأنه أن يعوق عن العمل والتفكير والسعي، لأنه سيصبح عمل الإنسان وتفكيره وسعيه مرتبطا بما ترى هذه السلطة، وهي سلطة مهما قيل فيها يمارسها فريق من الناس قد تكون لهم حزبية وهوى وغرض، وعندئذ يصبح الإنسان وغرضه وحزبيته -دون الصالح العام- قانونا لا يراجع وأمرا لا تناقش قداسته، وما الشرك بالله إلا صورة من صور هذه السلطة، ومكان الشرط في التعاليم الإسلامية يحدده مثل هذه الآية الكريمة: «إن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا».

وإذن الإيمان بالله وحده الذي يدعو إليه الإسلام، ويصر عليه، بتعارض مع قيام سلطة دينية إلهية على هذا النحو. ومن هنا من يتحدث عن دين وحده ودولة وحدها في الإسلام أو في المجتمع الإسلامي يتحدث عن شيء غريب عن طبيعة الإسلام. وهو بحديثه هذا يحكي تقليدا للكنيسة الرومانية الكاثوليكية في القرون الوسطى عندما كانت تسوس المجتمع المسيحي الأوربي باسم الإله، ومنحت رجالها العصمة في القول والفعل. وفرضت الطاعة المقدسة على من عداهم في هذا المجتمع لهؤلاء النواب عن الإله والمشاركين له في العصمة وهم رجال الكنيسة.

الإسلام يعرف فحسب مجتمعا إنسانيا يؤمن بالله وحده، وبالرسالة التي نزلت على صاحب الدعوة الإسلامية محمد بن عب الله عليه الصلاة والسلام.

(2) الخلقية الدينية أو الضمير الديني

وإذا كانت الوحدة في الإيمان بالله هي هدف المجتمع الإسلامي وفي لقوت نفسه هي العامل الأساسي في تكوينه -فإن الوقت نفسه هي العامل الأساسي في تكوينه- فإن الخلقية الدينية أو الضمير الديني عامل في بقاء هذا المجتمع، وعامل في تماسكه وتعاونه.

والخلقية الدينية هي استطاعة نفسية تتكون عند المؤمن بالله يصدر عنها تصرفات لها طابع الانسجام مع تعاليم الرسالة التي جاء بها صاحب الدعوة عليه الصلاة والسلام. وهي إذن كما تقوم على وحدة الإيمان بالله تقوم أيضا على الإيمان برسالة الرسول وما جاء فيها. وهناك عامل آخر في تكوينها يضاف إلى هذين العاملين وهو الإيمان بالجزاء يبعث الحيوية واليقظة باستمرار في أن تؤدي الخلقية الدينية وظيفتها من العمل طبق ما آمن به الإنسان. وفروع الإيمان الثلاثة: الإيمان بالله، والإيمان بالرسول وبما أنزل عليه من وحي وهو مضمون رسالته، والإيمان باليوم الآخر وما يقع فيه من جزاء -تذكرها فاتحة سورة البقرة في قول الله تعالى: «ألم. ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب. ويقيمون الصلاة. ومما رزقناهم ينفقون. والآخرة هم يوقنون. أولئك على هدى من ربهم، وأولئك هو المفلحون» فوصف الذين يؤمنون بهذه الأنواع الثلاثة بأنهم هم المتقون، وبأنهم على هدى من ربهم، وبأنهم هم المفلحون الناجحون. فالإيمان بالغيب في مقدمته الإيمان بالله، لأنه لا تدركه الأبصار، وهو يدرك الأبصار، هو اللطيف الخبير. والإيمان بما انزل هو الإيمان بالوحي والرسالة الإلهية، والمعرفة اليقينية بالآخرة هي الإيمان بها في ثورة مؤكدة. وفي سورة النساء يعبر القرآن الكريم عن هذه الفروع الثلاثة من الإيمان تعبيرا آخر فيطلب الإيمان بها ثم يصف من يكفر بها بأنه قد ضل ضلالا بعيدا: «يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله، والكتاب الذي نزل على رسوله، والكتاب الذي أنزل من قبل، ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا».

وهذه الخلقية الدينية التي تقوم على عناصر الإيمان الثلاثة هي التي تدفع الإنسان إلى حسن السلوك، وإلى الاستقامة، وإلى التعاون والتآخي بين الأفراد. ودفعها إلى ذلك دفع ذاتي لا يحتاج إلى محرك خارجي ولا إلى رقابة خارجية. إذ السلطان عليه هو الاعتقاد الذي يحمله المؤمن بين جنبيه. والفرق بين المؤمن الذي يحمل في نفسه القوة الدافعة إلى العمل المستقيم والتعاون مع الغير، وبين القانون الذي يضعه المجتمع ويفرضه بقوة الحراسة وهي القوة التنفيذية -الفرق هو أن سلطان القانون وما يصحبه من قوة تنفيذية خارج عن الإنسان ومفروض عليه. والإنسان في المجتمع المدني الحديث، وهو المجتمع صاحب القانون الوضعي وصاحب السلطة التنفيذية، يعمل بدفع هذه القوة الخارجة عنه. ولو تهاون هذا المجتمع في تطبيق القانون يوما ما، أو خفت

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٥١٩٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٥١٩٢