الخبير». فهو واحد مطلق في أنه خالق كل شيء، وهو واحد مطلق في أنه لا يحد بالبصر. هو فوق كل الكائنات المحسنة جميعها.
والإيمان بالله وحده هنا هو النقطة الفاصلة في حياة الإنسانية: بين ضعف في الاعتقاد والتصور يجب أن يمضي إلى غير رجعة، وقوة مترقبة في الانطلاق نحو المثل العليا. وهو القيم الكاملة. والسعي نحو الاقتراب منها يجب أن يتحقق. إذ الإيمان الله وحده، أب بالكمال المطلق في الوجود يتخلص الإنسان من أن يسخر نفسه في ارتباطه في العبادة بالكائن المحس، بتخلص من الرق لمن هو دونه في الخلق أو لمن هو مثله. وكرامة الإنسان تقتضي أن يكون في عبادته متوجها إلى م هو فوقه. وليس هناك فوق الموجودان جميعها إلا الله الذي «ليس كمثله شيء».
عبد الإنسان في القديم الحيوان، وعند الصنم من الأحجار، وعبد الإنسان. «ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله، قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السموات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون».
عبد الإنسان من دون الله ما أحصيناه وما لم نحصه، وربط مصيره في الحياة بتلك الكائنات الأرضية التي لا تسمع الدعاء وأن سمعته فلا تجيبه لعجز عن الفهم أو عن التصرف.
جاءت رسالة الرسول عليه الصلاة والسلام بالدعوة إلى الإيمان بالله وحده، وفد كانت هي دعوة الرسل السابقين قبل تحريفها من الدعاة إليها: «وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه: إنه لا إله إلا أنا فاعبدون» -جاءت بهذه الدعوة لتعيد إلى الإنسان قيمته، لتصحح له وضعه في الحياة والوجود: «وهو الذي خلق لكم ما في السموات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة». ووضعه في الحياة هو الوضع الذي هيء لصاحبه ما في الأرض جميعا وسخر له ما في السموات وما في الأرض من جبال وأنهار ومن بر وبحر وجو، وأحيط بما في ذلك كله من نعم وقف عليها أو هو في سبيل الوقوف عليها مما لم تنكشف له بعد «ظاهرة وباطنة».
وكان وضعه في الحياة والوجود هذا الوضع لأنه المخلوق الذي أعد بطبيعته للانتفاع بالوجود «الذي أحسن كل شيء خلقه، وبدأ خلق الإنسان من طين، ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين، ثم سواه ونفخ فيه من روحه، وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون» فبجانب الحياة «ونفخ فيه من روحه»، وهي الطاقة على الحركة والسعي التي زودت بها طبيعة الإنسان كأي كائن حي- كان السمع والبصر وهما أقوى وسائل الحس في الإدراك للمشاهد، وكان الفؤاد وهو شعار القلب مركز الإيمان والاعتقاد، وشعار العقل مصدر الإدراك والتصور لما غاب عن الحس والشاهد. وبالسمع والبصر والفؤاد تميز الإنسان، ومن أجل تميزه كان له هذا الوضع الخاص في حياة الوجود كله الذي أرادت رسالة الإسلام -عن طريق الدعوة إلى الإيمان بالله وحده- أن تعيد إليه الوعي والشعور به.
فالدعوة إلى الإيمان بالله وحده إذن تنطوي على تعريف الإنسان بمنزلته ووضعه وقيمته في الحياة. ومن الكرامة للإنسان، كمخلوق متميز على ما عداه من المخلوقات، أن يعرف وضعه الصحيح وقيمته الذاتية. ومن المهانة له، والسخرية منه، والاستخفاف به أن يبقى في دائرة ما انحدر إليه في الاعتقاد من عبادة غير الله من هو دونه أو مثله في الخلق.
وهي إذن دعوة إلى التحرير والتحرر: دعوة إلى «العزة والكرامة» دعوة إلى الانطلاق في الوجود، والكشف عن خفية قبل واضحه لأنه سخر له من خالق الكون كله، وهو الله، ما في السموات من أجواء عوالم، وما في الأرض باطنها وظاهرها.
والمجتمع المؤمن بالله وحده هو المجتمع الإنساني المتحرر، هو المجتمع الذي فصل في وعي ويقظة بين الإنسان ككائن مخلوق متميز وبين كائنات أخرى بعدها مسخرة له. والمجتمع الإسلامي هو مجتمع المؤمن بالله وحده.
وإذن هدف المجتمع الإسلامي -لأنه المجتمع الذي آمن بالله وحده- هو التحرر مما يحط بكرامة الإنسان، ومما يقيده عن الانطلاق والسعي في الحياة، ومما يعوقه عن أن يكون صاحب سيادة في ارض الله وسمائه.
والمجتمع الإسلامي بإيمانه الله هو مجتمع إنساني ويظل مجتمعا إنسانيا. ليس مجتمعا «دينيا» بمعنى أن القوامة فيه لطبقة تعلو عن الناس الباقين وتقل درجة عن الإله، وهي الطبقة التي يدعي لها أن المر قد وكل إليها من الإله، وإنها بناء على ذلك تتصرف بمشيئته وحكمها لذلك حكم له صفة القداسة وطابع الإلزام من غير مراجعة. كما كان الشأن في القرون الوسطى أيام حكومة الكنيسة الرومانية في القطاع الأوربي.