وفي كتاب شفاء السائل الماع إلى تاريخ التصوف في المغرب والعالم الإسلامي.
ومن أشهر رجال التصوف في هذا العصر الإمام زروق الملقب بمحتسب الصوفية، وقد ترك لنا كتاب القواعد الذي يعتبر وثيقة مهمة عن الحركة الصوفية في عصره، تلك الحركة التي استفحلت وظهر فيها كثير من المشعوذين فتصدى الإمام زروق للكشف عنهم، وقد شرح مذهبه الصوفي في القاعدة (59)، فقد قال: لكل فريق طريق، فللعامي تصوف حوته كتب المحاسبي، وللعابد تصوف دعى إليه الغزالي في منهاجه، وللمتريض تصوف ذكره القشيري في رسالته، وللناسك تصوف القوت والأحياء، وللحكيم تصوف نحا إليه ابن سعيد، وللطبائعي تصوف جاء به اليوني في أسراره، وللأصولي تصوف قام الشاذلي بتحقيقه. ويقول في القاعدة -26) أيضا: كن فقيها صوفيا، ولا تكن صوفيا فقيها.
ومنهم ابن القاسم الذي استقصاه أبو عنان على فاس وله قصيدة سماها (لمحة العارض لتكملة ألفية ابن الفارض)، ومنهم محمد بن علي الجزولي الأصولي الكبير كان قاضيا بفاس في عهد أبي سعيد المريني ولبس الخرقة.
ومنهم ابن الدباغ المراكشي صاحب مواسم الطريقة في علم الحقيقة.
ومنهم المحدث الطيب بن محمد المريغشي
ومنهم عبد الله بن يعقوب السملالي الجزولي وعبد الله بن أبي بكر الجزولي نزيل الإسكندرية.
ومنهم محمد الحقاوي الذي أعان أبا عنان المريني بالضرب على أيدي المعتدين وكان الأمير أبو محمد عبد الحق معظما للصلحاء يتواضع بين أيديهم (كما في الذخيرة السنية 37).
وإذا كانت تقاليد الدول المغربية من لدى المرابطين إلى الموحدين توجب امتحانات لأدعياء التصوف، فقد خف ذلك في عهد المرينيين لقوتهم، ومع ذلك فقد امتحن أبو عبد الله محمد الشيخ المريني الملقب بالبرتقالي المتصوف عبد الله الغزواني بفاس وسجنه.
وهناك كتب كثيرة ألفت في هذا العصر في هذا الفن، منها: المترع اللطيف في ذكر صلحاء الريف. لعبد الحق الباديني (القرن الثامن).
والسلسل العذب الأصلي في صلحاء فاس ومكناسة وسلا، لمحمد الحضرمي الذي صنفه في القرن الثامن.
والكوكب الوقاد فيمن حل بينه من العلماء والصلحاء والعباد.
وأعقب المغرب في أواخر عصر المرينيين تدهور شامل في حياته الاجتماعية والفكرية والاقتصادية وذلك نظرا لعدة أمور: 1) الانهيار الشامل للحضارة العربية. 2) الأوبئة والأمراض التي اجتازت المغرب كمرض الطاعون والكوليرا. (بوكليب). 3) المجاعات المتتالية. 4) الغزو الاستعماري الذي استفحل على شواطئ الأطلنطيك .. وكان من نتائج هذا أن تدهورت الثقافة الإسلامية في المغرب، وحسب أقوال المؤرخين فإن دكالة وحاحة والسوس والريف وغيرها كانت بها نهضة ثقافية تلاشت ودرست معالمها، ولكن بقيت الثقافة الإسلامية معتصمة بالقرويين التي يرجع إليها الفضل في المحافظة على كيان المغرب الثقافي والروحي.
وذكر (رينو) أن فاسا أقل نجمها إبان السعديين وذلك نظرا للاضطرابات والأوبئة والاعتداءات الاستعمارية على الحدود المغربية، وعاد المغرب إلى نشاطه في عصر العلويين، وقد تحدث لفي بروفنصال في كتابه مؤرخ الشرفاء عن نهضة المغرب من الوجهة الأدبية كما تحدث عبد العزيز بنعبد الله عن نهضة الدراسة الطبية في كتاب الطب والأطباء بالمغرب، غير أن هذه الظاهرة ساعدت على (المركزية العلمية) حين آوت جامعة القرويين علماء المغرب من سائر النواحي والمراكز الثقافية، من الزاوية الدلائية والناصرية وغيرهما، وعادت القرويين إلى دراسة الطب، ويشير (دلفان) في كتابه عن فاس وجامعتها إلى اعتناء الطلبة بدراسة كتب الطب كالكامل للرازي، والقانون لابن سينا، وزبدة الطب للجرجاني، والتذكرة للسويدي، وغير ذلك من الكتب الطبية المشهورة. وبدون شك فإن هذه الدراسة لم تزدهر إلا بعد ازدهار الثقافة الإسلامية.