تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وعملاؤهم السيطرة للعبث بحقوق الضعفاء من رعاياهم وغيرهم، فمذهب ماني والمانوية، ومذهب مزدك الفارسي القائل بشيوع النساء والأموال بيت الناس كافة، كل من المذهبين لعب دورا في تحطيم دعائم حياة الفرس الإجتماعية حتى أشرفت على البوار ...

واليهود حرفوا تعاليم الثوراة التي فيها هدى ونور، حيث انغمسوا في حماة مادية والشهوات، وتعدوا في السبت، واتبعوا الحرفيات والربوبات فأكلوا الربا وقد نهوا عنه، وصاروا يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا، حتى تقمصوا روح القردة، والخنازير وعبدوا الطاغوت ..

أما الكنيسة فمنذ القرن الثالث من ميلاد المسيح عليه السلام فقد كان رعاتها - كما يقول " جرجيس سال" الإنجليزي - مشتغلين بالمطامع الشخصية يتخذون العويض من مسائل الدين ذريعة للمشاجرات والمحاكمات، وقد انقسموا فيها إلى فرق لا تعد، ونفوا عن صدورهم ما ندب إليه الإنجيل من الموادعة والمحبة والمواساة، وعدلوا إلى المساواة والضغائن، وسائر أنواع المفاسد (ثم قال هذا المسيحي المتوفى سنة 1736 ميلادية: " ومعظم ما ننكر الآن على بعض الفرق النصرانية من باطل العقائد والفساد، إنما نشا وتأصل في تلك الأعصر، فعاد بالنفع على الإسلام، وأعان انتشاره، ونخص من تلك العقائد بالذكر عبادة القديسين والصور، فإنها كانت قد بلغت وقتئذ مبلغا يفوق كل ما تراه اليوم عند فرق النصارى ... (ثم ذكر ارتباك الكنيسة الشرقية بعد انفضاض المجمع التيفاوي كما ذكر حال الكنيسة الغربية ونزاع " داما سوس" و " اوسيكيتوس" على أسقفية روما، وخص بالذكر من أثر هذا النزاع بلوغ عدد القتلى في كنيسة " سيكيسيوس" 137 في يوم واحد .. ثم ذكر حال النصرانية في بلاد العرب، وانتشاره بدعة المريميين بها الذين يقولون بالوهية مريم، تبعا لبعض أساقفة المجمع) التيفاوي (هـ ..

قال شيخ الإسلام ابن تيمية:) ومما ينبغي أن يعلم أن أعظم ما كان عليه المشركون قبل محمد وفي مبعثه هو دعوى الشريك لله والولد، والقرآن مملوء من تنزيه الله عن هذين، وتنزيهه عن المثل والولد بجمع كل التنزيه، ثم ساق آيات القرآن الكثيرة مستدلا على قوله هذا. زيادة على ما كان معروفا بين العرب من عبادة الأصنام وفقدان الأمن وشيوع الخمر، وكثرة الفواحش والقمار وفاحش الربا، وواد بعض القبائل لبناتهم، وكثرة الحروب لأتفه الأسباب، ومؤاخذة القبائل بجنايات الأشخاص المعينين إلى غير ذلك من الأمراض الاجتماعية: فعم الظلام، واشتدت حاجة الإنسانية في مجموعها إلى نور يضيء بعض جوانبها، ليعم النور سائر الأرجاء بعد إشراقه وانتشاره ... هنالك أرسل الله بشير الإنسانية بالفوز والنجاح، والسعادة والفلاح، سيدنا محمد بن عبد الله بكتاب عزيز قال في حقه: " يا أيها الناس قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام"، وقال تعالى في حق رسوله: " هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله" وقال الله في حق الأمة التي اهتدت بهدي الإسلام " كنتم خير أمة أخرجت للناس، تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر، وتؤمنون بالله" فعمت هداية القرآن وظهر دين الإسلام أعظم بركة على الأمم المفتوحة، حيث فتحت منها القلوب، وزكتها بأخلاق الإسلام المتوارثة، وشريعته الطاهرة من النقائص والظلم والعيوب، فكان محمد رسول الله أعظم طبيب عرفه الوجود لأمراض الإنسانية، كما يشهد بذلك المنصفون من العلماء إلا أن أعداء هذا الدين من المشركين والملحدين يفتنون بعض العوام وأشباههم بشبهتين لا تروجان إلا على مغفل بليد ... أولاهما قولهم أن محمدا استغل فساد أوضاع الكنيسة، واختلال أحوال الأمم المجاورة له من الفرس والروم، وكذلك انتشار عقائد باطلة عند النصارى والعرب، استغل كل هذا لنشر الإسلام وتمكين دعوته، وكل عاقل يعرف أنه لا يقال الطبيب أنه استغل خطورة المرض ليظهر براعته بإنقاذ المريض من الهلاك، وكذلك يقال هنا: فالطبيب مشكور والدواء الذي فيه الشفاء هو من عند الله كما قال الله، " وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمومنين".

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٥٠٩٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٥٠٩٤