تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولما بلغ دار الإمارة نفذ الإمارة لسيدي محمد بن أحمد الفاسي والقضاء للمزوار والحسبة والنظارة لمن ذكر، فامتنع الشامي من النظارة فسجن سبعة أشهر، ولما ضاق به الأمر أجاب على شرط أن لا يتعرض له قاض ولا وال، لأن الأحباس كلها حازها اللصوص والأشراف أيام الفتنة حتى كادت أن تستأصل كلها واشتغل بالبحث عنها واستظهارها ومن اتهم بربع أو أرض أو جنان أو دكان يحوز مغصوبا أو لا رسم عنده علم أنه مغصوب فيحوزه للحبس حتى رد الأوقاف كلها وزاد عليها ما وجد مغصوبا من الوقف أو غيره.

ومن تتمة هذه الاستشارة المبنية على الإخلاص من جانب السلطان مولاي رشيد ومن جانب الاستاذ عبد الرحمان بن القاضي أن القاضي المزوار أخذ يحكم بغير المشهور، فكتب ابن القاضي لمولاي رشيد يقول له (أن من أشرت عليك بولايته له أصهار، وأصحاب تجار، ومخالط لأعيان فجار، فأقلني من عهدته أقالك الله من عذاب النار، فكتب له أن ينظر للقضاء من هو أهل، غريب الدار، لا قرابة له ولا أصهار، خامل الذكر، فذكر له المجاصي الغياثي فولاه القضاء بفاس).

وعلى هذا الإجراء في الأحباس بعاصمة فاس يكون الناظر النزيه الكفء المثالي السيد مسعود الشامي قد ضرب المثل في رعاية قضايا الأحباس، ويكون المولى رشيد الذي قبل شرطه وأسنده وقواه، قد فتح الباب لمن يأتي بعده، حتى تحفظ هذه المؤسسة الإسلامية وتحاط بسياج من الحصانة والإجراءات الإدارية والتشريعية التي تضمن استمرار أدائها لمهمتها الإسلامية السامية ومن الممكن جدا أن يكون التلاعب بأملاك الأحباس قد وقع في بلدان أخرى غير فاس فكان ذلك من البواعث التي جعلت المولى اسماعيل يتدارك بحزمه أملاكها على اختلاف أنواعها في جميع أنحاء المملكة المغربية، التي وحدها تحت سلطة العرش العلوي المجيد.

ولقد تصفحت عدة حوالات حبسية عسى أن أجد الأمر بإنشاء الحوالات الإسماعيلية إلى أن وجدت في مقدمة حوالة تازة الجامعة التي كتبت في عهد مولاي اسماعيل بتاريخ 1116 هجرية إسناد نظارة الأوقاف العامة للكاتب السيد محمد القيسي الفاسي بأمر المولى اسماعيل، وما قام به هذا الناظر في الإيالة المغربية فكان هذا الوجود سندا تاريخيا هاما، ففي مقدمة الحوالة الحبسية لمدينة تازة بعد ثناء جم على المولى إسماعيل ما صورته:

وكان من جملة ذلك اعتناؤه أيده الله بعمارة المساجد وافتقاد أحوالها بكل ما يعرض لها من ناقص وزائد، ولم يقتصر أيده الله أن قدم بنور هدايته لقضاء تلك المئارب، وتشريف تلك المناصب خديمه الأنصح الأمين أبا عبد الله السيد محمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله القيسي الأندلسي الفاسي المشهور بالكاتب لما رأى أيده الله فيه من زيادة الاعتناء، وممارسة لعظائم الأمور وتقديرات البناء، فقلده أمورها على الشمول والاستغراق، وأطلق له في محاسبة أحباسها على العموم والإطلاق فقام بحق ذلك بهذه الإيالة السعيدة أي قيام، واشتهر في إتقانه وضبطه اشتهارا لم يسبق به فيما تقدم من الأيام حتى انتهى في انتشار بحرته إلى حضرة مدينة تازة، ودشر الباهية، وجمع من أحباسها ما كانت واهبة متلاشية، وقام في ضبطها قياما أبدع في طرقه، وأجاد في تهذيبه ونسقه، وجمع من أحوال أحباسها ما افترق وتتبع من شواردها ما خرج عن حيزه وانطلق، وضرب على يد من له فيه يد جائلة، أو عن سبيل البر والتقوى مائلة، وحسب الجميع حسابا لم يدع فيه شاذة ولا فاذة، ولا ترك فيه لذوي الشبهات علاقة ولا جادة، وتقدم بنظره السديد ما تقوم به المساجد والمدارس والعلماء ما يستحقون، بتعمير المساجد وملازمة المجالس حتى أتى ذلك بما ترضاه القلوب السليمة وترتاح به النفوس الحليمة، لجريان ذلك على القوانين الشرعية وموافقته للأوامر العلوية ثم افتقد أحوال مساجدها الصغار واستدرك من أثقالها ما أغفله غيره من النظار، فأظهر لكل واحد من الأوقاف ما ينتسب إليه، وناقش حساب من تصرف فيه أو كان مقدما عليه، حتى اتضح خراج جميعهاواشتهر، بحيث لا يجهل أحد عده، ولا يخفى قدره على محاسب بعده، ثم كمل كل سر

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٥٠١٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٥٠١٨