تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

حديث جابر (ولا غول) فالحاصل ستة. وقد كانت العرب تزعم أن الغيلان في الفلوات، وهي جنس من الشياطين تتراءى للناس وتتغول لهم تغولا، أي تتلون تلونا فتضلهم عن الطريق فتهلكهم، فنفى النبي (ص) استطاعة الغول أن تضل أحدا.

قال تقي الدين، ونحن نبحث في كل واحد من هذه الستة على حدة. فأما العدوى، فقد تقدم الكلام عليها، وأزيد هنا أني لما كنت في بتي عوف من قبيلة حرب في ناحية الحناكية، وهي قرية بين المدينة والقصيم، رأيت الإخوان هناك ينكرون على بعض الأعراب الذين لم يتدبنوا بعد، أي لم يتبعوا دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله إلى توحيد الله وترك أمور الجاهلية، ينكرون عليهم أنهم يحبسون الغنم المصاب بمرض في حظيرة ويدخنون عليها ولا يتركون أحدا يدنو منها لا إنسانا ولا حيوانا، فكأنهم يعتقدون أن مرضها من الجن، وإن من دنا منها يصيبه شر، وكانوا يحبسونها الليل كله حتى الصباح، لا أدري ليلة واحدة أو أكثر. وهذا يفسر لنا ما نهى عنه النبي (ص). والغالب أنهم ورثوا ذلك من أهل الجاهلية فإن لم يكونوا قد ورثوه منهم فما جرى على المثل يجري على مماثله. والمنهي عنه هو اعتقاد أن هناك قوة مستقلة تضر بدون مشيئة الله ولا تخضع لإرادته. وأما الطيرة، فهي التشاءم بالطير إذا طارت عن اليمين، وهي السوانح أو عن اليسار، وهي البوارح، أو بغيرها من الحيوان، كالغراب والبومة، أو بإنسان يعتقد أنه مشؤوم رؤيته تجلب شرا، أو بالأيام والشهور، أو بالطوالع من الكواكب، يعتقد أن بعضها طالع نحس وبعضها طالع ميمون، كل ذلك شرك، لا يرضى به المؤمن ولا يخافه، فإذا وجد في نفسه شيئا من ذلك فليقل: اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك، ويمضي لحاجته ولا يبالي بذلك. وأما الصفر، فعلى القول أنه شهر صفر، فهو داخل في التشاؤم بالشهور، والجهل من أهل تطوان يتشاءمون به، فلا يدخلون بيوتهم مكنسة لئلا تكنس بيتهم بموت أهل البيت وذهاب مالهم. وكل ما تقدم من أنواع الطيرة موجود عند كثير ممن يدعون الإسلام وهم يجهلونه. ولولا خوف الإطالة لذكرت من ذلك حكايات كثيرة. وعلى القول بأنه حية في البطن، فذلك باطل لا وجود له. وأما الهامة فعلى القول بأنها البومة هي داخلة في التشاؤم بالحيوان وعلى القول أنها طائر هو روح القتيل لا يزال يزقو أي يصيح، اسقوني ماء اسقوني ماء حتى يؤخذ بثأر القتيل. وذلك مشهور عند العرب في جاهليتهم. قال ذو الإصبع العدواني:

يا عمرو ألا تدع شتمي ومنقصتي

أضربك حتى تقول الهامة اسقوني

وقال غيره:

ولو أن ليلى الأخيلية سلمت

علي ودوني جندل وصفائح

لسلمت تسليم البشاشة أو زقا

إليها صدى من جانب القبر صائح

وذلك من خيالاتهم وأوهامهم ولا وجود له. وأما التولة، فهي من الشرك، وهي سحر يزعم فاعله أنه يؤثر في قلب البعل فيحب امرأته حبا شديدا ويطيعها طاعة عمياء، أو في قلب المرأة فتحب بعلها كذلك.

وهذا كفر، لأن مقلب القلوب واحد، وهو الله ولا يستطيع غيره ذلك. وأما الغول فالنفي في الحديث موجه لعينها، إذ لا وجود لها، وإنما هي من صنع الخيال الجاهلي. وكذلك العنقاء يزعمون أنه طائر عظيم الجسم، كالرخ المذكور في كتاب ألف ليلة وليلة الذي تعلق به سندباد البحري فطار بع من جزيرة خالية إلى بلد آخر. وزاد الأدباء على الغول والعنقاء، الخل الوفي. قال الشاعر:

فعلمت أن المستحيل ثلاثة

الغول والعنقاء والخل الوفي

وقال غيره:

الخل والغول والعنقاء ثالثة

أسماء أشياء لم تخلق ولم تكن

والحق أن الخل الوفي موجود، إلا إذا أريد به الخل الكامل المبرأ من جميع العيوب الذي لا نقص فيه أصلا فهو صحيح. وقال بعض شراج الحديث أن تلك الأشياء الستة موجودة، وتوجيه النفي لذواتها مجاز، والمراد نفي ما كانت العرب تعتقده فيها. والصحيح التفصيل على نحو ما ذكرته. والله أعلم.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٥٠٠٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٥٠٠٠