وقال أستاذي العالم الورع عبد الرحمن بن عبد الرحيم المبارك بوري الهندي في كتابه تحفة الأحوذي في شرح الترميذي تحت حديث (لا عدوي ولا طيرة) ج 2/ص400/. قوله، لا عدوى، بفتح فسكون ففتح. هي مجاوزة العلة من صاحبها إلى غيره، ويقال، أعدى فلان فلانا. وذلك على ما يذهب إليه المتطببة في علل سبع، الجذام، الجرب، والجدري، والحصبة، والبخر، والرمد، والأمراض الوبائية. وقد اختلف العلماء في التأويل، فمنهم من يقول، المراد منه نفي ذلك وإبطاله على ما يدل عليه ظاهر الحديث والقرائن المسوقة على العدوى، وهم الأكثرون. ومنهم من يرى أنه لم يرد إبطالها فقد صلى الله عليه وسلم، (فر من المجذوم فرارك من الأسد) وقال، (لا يوردن ذو عاهة على مصح) وإنما أراد بذلك نفي ما كان يعتقد، أصحاب الطبيعة، فإنهم كانوا يرون العلل المعدية مؤثرة لا محالة، فأعلمهم بقوله هذا، إن ليس الأمر على ما يتوهمون، بل هو متعلق بالمشيئة، إن شاء كان، وإن لم يشأ لم يكن. ويشير إلى هذا المعنى قوله، فمن أعدى الأول. أي إن كنتم ترون أن السبب في ذلك العدوى لا غير، فمن أعدى الأول. وبين بقوله (فر من المجذوم، وبقوله (لا يوردن ذو عاهة على مصح) إن مداناة ذلك لسبب العلة، فليتقه اتقاء الجدار المائل والسفينة المعيوبة. ثم قال قال التوربشتي: وأرى القول الثاني أولى التأويلين لما فيه من التوفيق بين الأحاديث الواردة فيه. ثم لأن القول الأول يفضي إلى تعطيل الأصول الطبية، ولم يرد الشرع تعطيلها، بل ورد بإثباتها والعبرة بها على الوجه الذي ذكرناه. وأما استدلالهم بالقرائن المسوقة عليها فأنا قد وجدنا الشارع يجمع في النهي عن لمعنى، وبين ما ينهى عنه لمعان كثيرة. ويدل على صحة ما ذكرنا قوله صلى الله عليه وسلم للمجذوم المبايع قد بايعناك فارجع في حديث الشريد بن سويد الثقفي. وقوله صلى الله عليه وسلم للمجدوم الذي أخذ بيده فوضعها معه في القصعة، كل نقة بالله وتوكلا عليه. ولا سبيل إلى التوفيق بين هذين الحديثين إلا من هذا الوجه. بين بالأول النوفي من أسباب التلف، وبالثاني التوكل على الله جل جلاله ولا إله غيره في متاركة الأسباب. انتهى. قال القارئ وهو جمع حسن في غاية التحقيق. انتهى.
مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٩٩٩
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
مجلة دعوة الحقص ٤٩٩٩
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي