لنا وعظة، وإيقاظا لمن يريد أن يتصانع الغطيط في النوم.
إن كلمة (التقاليد) إنما تعني في وضح اللغة العربية وما تواضح عليه عرف علماء الاجتماع مجموعة العادات التي يرثها الأبناء عن الأباء والأجداد أو تسري ـ بعامل الاحتكاك ـ في أهل حي من الأحياء أو بلدة من البلدان، بشرط أن يكون دافع التقليد المجرد هو التعصب الرئيسي الذي يمد في تلك العادات من أجل الحياة والبقاء.
فجميع ما اعتاد الناس عليه من أنماط الحياة في مجتمعاتهم، ومن مظاهر اللهو في أفراحهم وأعراسهم، ومن أشكال الحداد في مآسيهم وأحزانهم، مما حاكته عوامل التوارث القديم أو الاقتباس التلقائي عن طريق التأثر والاحتكاك ـ جميع ذلك يسمى في عرف اللغة والاجتماع (تقاليد).
ولا ريب أن أمة ما، كلما كان ارتباطها بقيود هذه التقاليد أحكم وأوثق، كانت قدرتها على التحرر والإبداع أقل وأضعف، ذلك أن كلا من عاملي التأثر والتأثير متقابلان متعارضان، فلابد أن تكون قوة أحدهما مظهرا للضعف في الثاني، وإذا علمنا أن معظم شعارات العصر الحديث من تحرر، وتقدمية، وانطلاق، وإنما تعني أول ما تعني الانعتاق عن قيود هذه التقاليد ـ أدركنا مدى ما تنقذف إلى هذه الكلمة من السهام والحراب.
غير أن كل هذه السهام والحراب تضيع في غير جدوى ـ في حساب أولئك الذين وقفوا عمرهم وأفكارهم لحرب الإسلام ـ إن لم تكن تصيب كبد الإسلام ومبادئه.
ولك كيف السبيل؟
السبيل هو أن يؤتي بمعظم مبادئ الإسلام وأحكامه، وتقام من خلف ستار (التقاليد) التي تنفذ في نحوها سهام المدينة الجديدة، إذ لا شك أن السهام ستخترق الستار لتستقر في كبد ما وراءها ..
*
وهكذا يستفيق المسلمون ليجدوا معظم مبادئ الإسلام وأحكامه: كشؤون الزواج والطلاق، وحجاب المرأة وصيانتها، وعامة قضايا السلوك والأخلاق ـ قد أسبل من فوقها رداء (التقاليد) وأصبح العنوان الدال عليها على صفحات الكتب والجرائد والمجلات، وفي ندوات الباحثين والمثقفين، وفي رأي الكتاب والمفكرين هو: (التقاليد الإسلامية) ..
وربما دخل في غمار هؤلاء كثير ممن لا يريدون بالإسلام سواء ولا يضمرون له كيدا، ولكنهم وجدوا تسمية راجت على السنة بعض الباحثين، ولمعت في صدر بعض الصحف والمجلات، فانساقوا إلى تأييدها ومشايعتها بدافع (التقليد) الحقيقي، ودون أن يكلفوا أنفسهم لذلك أي تفكير أو بحث.
غير أن هذا أيضا ليس هو محل الشاهد. فما الذي حدث بعد ذلك؟
حدث أن أخذ هذا الدس الخطير يثمر حناظله السامة في ميدان التربية والتوجيه الإسلامي، لقد أصبح الشاب الذي ينشأ في أسرة محافظة أو يعهد به إلى مربين ومرشدين، لا يتلقى المبادئ والأخلاق الإسلامية إلا على أنها قيود مؤسفة، فهم لا ينفذ إلا كما ينفذ المسجون أعماله منتظرا أول فرصة للانفلات والخلاص، إذ أن كلمو (تقاليد) توحي إليه أن قيمة السلوك والخلق الإسلامي ليست بسبب أنه مبدأ إلهي يكمن فيه سر سعادة البشر، وإنما بسبب أن كلا من السلوك والخلق الإسلامي ليس إلا عادات قديمة موروثة من الأباء والأجداد .. ولا ريب في أن النتيجة القطعية لهذا الإيحاء والفهم الخاطئين هي أن يضيق هذا الشاب وأمثاله ذرعا بهذا الميراث القديم الذي فرض نفسه على المجتمع في عصر كل ما فيه متطور ومتقدم وجديد.
*
لقد أخذت هذه الكارثة التربوية في صفوف جبانا المسلم تعظم وتستفحل منذ أن سمح لمثل هذا الشعار الزائف المدسوس أن يتسلل إلى البحوث والاصطلاحات الإسلامية، دون تعرف على هويته ودون تأمل فيما قد يثمر من مثل هذا الزيف والتضليل.
ومع هذا فليس أسهل على أي مسلم من أن يدرك أن الإسلام الذي جاء يهدم التقاليد ويقضي على كل امتيازاتها من مظاهر القداسة الموهومة لم يكن ليتبنى