تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهو يشير هنا إلى المقال النقدي الرائع الذي كتبته فرجينيا وولف سنة 1919 مهاجمة روايات ولز، وبينيت وجالسورتي، الذين كانوا يمثلون آنذاك، المذهب الواقعي. وكانت فرجينيا وولف، وجويس يتزعمان اتجاها روائيا جديدا يعتمد على «تيار الشعور» والاهتمام بالزوايا النفسية الخبيثة. كتبت فرجينيا وولف تعلق على روايات أصحاب المذهب الواقعي قائلة:

« ... فإذا كنا قد ألصقنا بكل هذه الروايات صفة واحدة هي المادية، فإننا نعني بذلك أن هؤلاء الأدباء قد كتبوا أشياء لا أهمية لها، وأنهم أنفقوا موهبة وجهدا عظيمين لإضفاء مظهر الحقيقة والديمومة على ما هو مبتذل ومرحلي» (*)

إذن، فقد كانت الحملة على المذهب الواقعي في أوجها، وكان نفوذها يتقلص بسرعة ليفسح المجال للمذهب الواقعي الانتقادي، والمذهب النفساني التحليلي، وغيرهما من الأشكال التعبيرية الجديدة .. ولم تكن هذه العملية قاصرة على انجلترا، بل شملت أوربا جميعها باستثناء الاتحاد السوفياتي الذي ساده تيار الواقعية الاشتراكية ..

رغم كل ذلك، فإن نجيب محفوظ لم ينسق لهذا الإغراء، وبدأ رحلته الإبداعية من المنطلق الذي يلائم إمكانيته ومجتمعه .. وليس معنى ذلك أنه تخلف عن الاستفادة من تطورات الرواية العالمية .. لسبب بسيط، هو أنه تجاوب مع هذه الأصداء التطورية الجديدة مندرجا، واعيا، لا مقلدا. ويجمع النقاد ـ ويوافقهم نجيب أيضا ـ على أنه مر ثلاث مراحل:

1) مرحلة الرومانية التاريخية: وقد استوحى موضوعاته في هذه المرحلة من التاريخ الفرعوني القديم، فكتب ثلاث روايات هي: «عبث الأقدار» و «رادوبيس» وكفاح طيبة وكان ينوي أن يكتب 37 رواية تاريخية أخرى .. لولا أنه انتقل إلى المرحلة الثانية ..

2) مرحلة الواقعية وهي التي كشفت عن موهبته وأصالته .. وخلالها قدم روائع هامة: خان الخليلي، فضيحة في القاهرة، زقاق المدق، بداية ونهاية، ثلاثية بين القصرين ..

وعندما أنهى الثلاثية سنة 1952، وتوقف عن الكتابة، وظل يعيش فترة «التأقلم» مع الشكل الجديد لمجتمعه بعد قيام الثورة. وفي سنة 1957 كتب رواية «أولاد حارتنا» بعد صمت دام خمس سنين .. وهذه الرواية لم تنشر بعد في كتاب، لأنها أثارت ضجة كبيرة عندما ظهرت متسلسلة في صحيفة الأهرام .. ويقال بأن علماء الأزهر حالوا دون نشرها لأن نجيب محفوظ لجأ فيها إلى الرمز، ليشخص الأنبياء، ويمزج بين الجوانب الروحية والأرضية في الإنسان.

3 مرحلة الواقعية الجديدة: وفيها خرج نجيب عن التصوير الدقيق، والوصف البطيء الصبور المتتبع لجميع التفاصيل .. في هذه المرحلة جعل يجمع بين الوصف والتحليل النفسي، والاهتمام بالأفكار. وتمثل هذه المرحلة رواياته:

«أولاد حارتنا» و «السمان والخريف» و «اللص والكلاب» إن هذا الخط التصاعدي الذي سار فيه نجيب محفوظ يظهر لنا بوضوح مدى أصالته ونضجه. وإذا كانت رواياته الواقعية الممتازة قد أعطتنا شرائح وصفية زاخرة بالنماذج والمواقف البشرية، وأعطتنا شهادة حية على فترات خصبة من حياة المجتمع العربي، فإن روايات نجيب محفوظ الأخيرة قد ارتفعت إلى أجواء أرحب، وتخطت النطاق الإقليمي لتخاطب الفكر الإنساني في العالم أجمع. وهو نصر ندين به لنجيب محفوظ الذي لا أظن أن أحدا من القراء الواعين يتخلف عن تقدير جهوده، والتطلع إلى مكنونات موهبته المعطاءة، الحافلة بكل جديد ..

جمعية نبراس الفكر في مؤتمرها الثالث

عودتنا جمعية نبراس الفكر منذ سنتين، أن تستدعي الشباب المثقف ورجالات الأدب والفكر ببلادنا للاجتماع وتبادل الرأي حول موضوع معين، فقد كان موضوع التجمع الأول هو «فلاسفة الغرب الإسلامي» شارك فيه أساتذة مرموقون، ونشرت أبحاثهم في كتاب ملأ حيزا من فراغ مكتبتنا ..

والمؤتمر الثاني حاول معالجة أحد موضوعات الساعة وهو «المغرب بين التيارات العقائدية» إلا أن الشخصيات السياسية التي استدعيت للمشاركة لم

* Virginia Wolf - L'art du roman - Ed Seuil 1963

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٩٨٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٩٨٤