التطور منذ قرون عديدة وكيف أنها لم ترد أن تساير الواقع والأحداث وكيف أنها تجمدت في الأخير وصلبت حتى أصبحت عرقلة دون كل إصلاح. فكيف يتأتى مقاومة الثقافة الأجنبية بواسطتها؟ فالثورة الفكرية التي رفضنا أن نقوم بها نحن في الوقت المناسب، أصبحت مفروضة علينا، فيما بعد، ولكن من الخارج وحسب مناهج وطرق لم يكن لنا فيها اختيار. وهذا سبب كثيرا من المشاكل التي نعانيها اليوم في تطورنا الثقافي. فلو أخذنا الأمور بيدنا من أول مرة وسرنا فيها سيرا واضحا معقولا لما اعترضتنا كل العقبات التي نشاهدها. ولكن، بما أننا تركنا الأحداث تطغى علينا، فلم يكن لنا يد مما نراه اليوم.
والآن وقد مر نصف قرن واجتزنا تجربة الاستعمار، هل نستطيع أن نقول أن محتوى ثقافتنا القومية تجدد؟ سنجيب على هذا السؤال في مقال مقبل بما يتطلبه الموضوع من التفصيل ويكفي أن نقول الآن أن المشكلة لازالت مطروحة أمامنا كما كانت أمام الجيل السابق. فنحن نريد أن تكون لنا ثقافة قومية تعبر عن شخصيتنا ونفسيتنا ونتساءل ما العمل لإدراك هاته الغاية؟
وقد تبين منذ الأول أن الشرط الأساسي للخروج من الجمود الذي نعانيه هو في تجديد محتوى ثقافتنا. وهذا التجديد لا يتم إلا بالخروج من قيود الماضي وعقلية الماضي. فقد بلغت ثقافتنا في القرن المنصرم نهاية مرحلة. ولئن سطع نجمها طوال القرون الوسطى، فقد تبين فشلها وتدهورها فيما بعد. وغير خاف أن الثقافة ليست هي العلوم والآداب المدرجة في بطون الكتب والأوراق، ولكنها قوة معنوية بها تعيش الشعوب وتعتز، وإليها ترجع لتستنير وسط الخطوب المدلهمة، ومن ينابيعها الفياضة تستقي الأفكار الحية الجديدة لتواصل سيرها التاريخي. فالثقافة كائن حي يغمر المجتمع من جميع جوانبه ويلابسه في سائر أحواله وتقلباته. أنها زبدة الفكر الإنساني في سائر تفاعلاته مع الواقع ونتاج الصراع البشري مع قوات الكون وترجمان صادق يعبر عن مطامح كل شعب ومثله العليا.
ولئن وجد المغرب نفسه عاجزا أمام الاستعمار، فلأنه، قبل كل شيء، كان فاقدا لتلك القوة المعنوية فلم تعد ثقافته الهرمة قادرة على القيام بدوها الطبيعي في الوطن والمجتمع.
دعوة غريبة
تلك دروس تلقيناها من التاريخ. لقد كلفتنا ثمنا باهظا. ولكن إذا عرفنا كيف نستخلص عبرتها، فسنجتنب كثيرا من الأخطاء في بناء المستقبل وسنسير في طريقنا أكثر جرأة وإقداما. ومن حقنا أن نبدي تعجبنا وأسفنا من كون بعض المفكرين وحملة الأقلام عندنا لا زالوا لم يستوعبوا تجربة الماضي ويميزوا جانبها السلبي من الإيجابي. فلازالت بعض صحفنا ومجلاتنا تطلع علينا أحيانا بدعوات للرجوع إلى ذلك الماضي ونبذ كل فكرة أتتنا من الخارج ورفض الاحتكاك بالثقافات الأجنبية.
ولنسق على سبيل المثال المقال الذي كتبه الأستاذ عبد السلام الهراس في أحد الأعداد الماضية من «دعوة الحق» بعنوان «قبل فوات الأوان». واختيارنا لهذا المقال ولهذا الكاتب ليس له معنى خاص. فهنالك أشباه ونظائر كثيرة لهذا المثال.
المحور الذي يدور عليه المقال المذكور هو أن الكاتب يخشى على الأجيال الصاعدة من تأثير الثقافة الأجنبية. ذلك أن الدول العظمى أصبحت تعتمد على سلاح الفكر «لغزو الشعوب الضعيفة، مستغلة فراغها الفكري وبلبلتها الروحية». وهكذا «تجهز لهم ثقافة مختارة محدودة لا تسمح لهم بالشعور بكرامة أمتهم ولا تحملهم على الحنين لأمجاد ماضيهم». ويتغلغل الاستعمار الثقافي بهذه الصورة في الأمم الضعيفة ويخلق فيها قيادة مزيفة تكتفي باقتباس بعض المظاهر من الأمة التي تلقت عنها ثقافتها. «وبما أن شرط الإبداع والحضارة منعدم في أمة تكون قيادتها على هذا الشكل، فإن المسخ هو الذي يسود حياتها بشكل مضحك ومؤلم معا».
فما هي العواقب الخطيرة التي تترتب عن هذا الوضع؟
يجيب الكاتب: الخطر الذي يهدد أمتنا «هو هذا الذي يزحف زحفا شاملا على عقول ونفوس أطفالنا وشبابنا من الجيل الصاعد الذي سيكون عما قريب عنوان الأمة وقائدها. فلقد أصبح هذا الجيل ينمو في أجواء خاصة، مكيفة تكييفا آسنا خطيرا على الفكر والعقيدة والحضارة الإسلامية. إنه يعد إعدادا مدروسا لكي يصبح «مسلما» من طراز عصري يحمل اسما إسلاميا عربيا ولكنه غريب القلب عن الإسلام وغريب اللسان عن العروبة»
وما الوسيلة لاتقاء هذا الخطر؟