تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ووضعوا في شأنه كتبا ومؤلفات. ومن المفيد الرجوع في هذا الصدد إلى ما كتبه أمثال جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده.

ونكتفي بأن نضيف هنا أن الإسلام عرف سلسلة من الانحرافات تبعا للأوضاع السياسية والاجتماعية التي تقلبت فيها الدول الإسلامية. ومن الخطأ الاعتقاد بأن تلك الأوضاع كانت تخضع دائما لتعاليم الشريعة الإسلامية. بل كان يقع في أحيان كثيرة أن يخضع لها الدين إخضاعا ويؤول تأويلا يوافقها وينسجم معها. بحيث أن الدين بدل أن يحتفظ بصفاء جوهره واستقلاله فيظل قوة حية منزهة عن المؤثرات الدنيوية أصبح في الواقع صورة للمجتمع بما فيه من خير وشر.

وهذا هو السر في اتساع شقة الخلاف مع امتداد الزمان بين المفاهيم القرآنية الحقيقية وبين السلوك الديني الذي أصبح مفروضا على المجتمع الإسلامي في عهود الانحطاط. وهذا السلوك هو الذي كان أجدادنا يغارون عليه ويتعصبون له، ظنا منهم أنه هو الإسلام الصحيح، مع أنه كان يسد في وجوههم أبواب التحرر والمعرفة والرقي ويجردهم من كل قوة أمام أعدائهم.

ولو قيض للمغرب أن يقوم فيه زعماء للإصلاح أمثال جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده في الشرق لأمكن التغلب ولو جزئيا على عقلية الجمود. ولكن شاء سوء الحظ أن يفقد المغرب حتى هذا النوع من الرجال الذين يكون لهم دور فعال في ظروف الأزمات

الثقافة الأجنبية تحتل الفراغ

ومهما يكن فقد أظهرت الأحداث التي توالت فيما بعد أن أجدادنا وجدوا أنفسهم مجردين لا من السلاح الحربي فحسب، ولكن من السلاح الفكري أيضا، وذلك حينما غزاهم الاستعمار واستولى على البلاد. فقد بلغ الانهيار إلى حد أبعد مما يتصور الباحث لأول وهلة، ولم تنحصر عواقب التخلف الثقافي والجمود الفكري في احتلال البلاد وضياع الاستقلال، بل ظهر أثرها بصورة أفظع في ميدان الفكر. فأمام الفراغ العقلي الذي كان يعانيه المغرب منذ أزمان بعيدة، استطاعت الثقافة الأجنبية الدخلية أن تجد لنفسها مكانا واسعا رحبا وسرعان ما اجتذبت إليها المثقفين والشباب. أما ثقافتنا العتيقة فقد أدركت أنها لم تعد قوية على البروز إلى ميادين المباراة فانطوت على نفسها وتخلت عن دورها كثقافة وطنية وغدت في الواقع أثرا من الآثار التاريخية.

نعم. بقيت بعض المعاهد الدينية تحافظ بشيء من الشجاعة ومغالبة الزمان على الدروس التقليدية، ولكن الثقافة الحية، الثقافة التي تصادف إقبالا ورواجا أضحت هي الثقافة التي أتى بها الأجانب وأسسوا لها المدارس والمعاهد. وأصبح علماء المعاهد التقليدية أنفسهم يوجهون أبناءهم للمدارس الجديدة وهم شاعرون بأن دروسهم لم تعد تضمن المستقبل لأبناء الجيل الجديد.

وقد كان من الممكن لثقافتنا القومية أن تنلافي هذا الوضع المزري لو استطاع رجال التعليم والساهرون عليه في مستهل هذا القرن أن ينتفضوا من خمولهم ويتغلبوا على جمودهم. ففي هذا الوقت بالذات كان التعليم قطع أشواطا في مصر والشرق العربي وبعض الدول الإسلامية. ولو احتذت بلادنا مثالها لوجد الاستعمار الأجنبي عند غزوه لنا نفسه أمام مدرسة مغربية متطورة تلقن للجيل النامي مبادئ العلوم الحديثة وفي نفس الوقت ترفع لواء الثقافة العربية ولكن الجمود الذي دفع بالساهرين على التعليم إلى المواقف السلبية، أفسح المجال للمدرسة الأجنبية، لأنها بحكم الضرورة والتجربة هي المدرسة التي تستطيع أن تساير روح العصر وتهيئ الجيل الناشئ لمهمات المستقبل. فإذا نتج بعد ذلك أن هذا الجيل أصبح ذا ثقافة وتكوين أجنبيين، قليل المعرفة بثقافته القومية، فالمسؤولية تعود على الأجيال السابقة التي لم تعتن بهذا الأمر ولم تبذل أي مجهود في خلق المدرسة الوطنية المسايرة لمقتضيات العصر.

حقا إن الاستعمار عمل فيما بعد على خنق ثقافتنا القومية ونشر ثقافته المجلوبة. ولكن هذا تصرف طبيعي ومنتظر من كل دولة أجنبية حاكمة.

وليس من الحكمة أن ننتظر من الأجانب المحافظة على ثقافتنا القومية. وخير سلاح كان يمكن لثقافتنا أن تدافع به عن نفسها وتصمد للغزو الأجنبي هو إثبات وجودها بالمدرسة وبالكتاب وبالصحافة وبالندوات والمحاضرات.

لماذا عجزت ثقافتنا عن المقاومة؟

ولكن، هل كان في مستطاع ثقافتنا في مستهل القرن الحالي أن تبرهن عن كل هذه الحيوية وتقوم بمثل هذا النشاط؟ وهل كان في مستطاع المتعلمين والمتأدبين في ذلك العهد أن يحملوا لواء العلم والفكر عاليا؟

إن المسألة كلها ترجع إلى محتوى الثقافة. وقد رأينا من خلال هذا البحث كيف أن ثقافتنا رفضت

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٩٣٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٩٣٨