علمي للمشكلات الاجتماعية والاقتصادية، وقد قيل: انه إذا دخلت الاشتراكية بلدا متخلفا فإنها تقلل من هذا التخلف بين يوم وليلة، وكل ما سيحدث في الحقيقة أننا سنجد أنفسنا أمام اشتراكية فقيرة متأخرة، ومما يؤسف له أن الكثير من الجوانب السياسية للشيوعية قد اتجهت إلى تشويه نظرة المحايدين إلى الاشتراكية، كما أن أسلوب الكفاح الذي تتبناه الشيوعية أعطى للعنف دورا بارزا، غير أن الاشتراكية عندنا تعتبر شيئا منفصلا عن هذه العوامل السياسية وعن حتمية العنف، والطريق إليها فقط هو طريق العمل الشاق، وزيادة الطاقة الإنتاجية للأمة، وتنظيم التوزيع العادي لمنتجاتها ... )، وعندما انعقد مؤتمر حزب الكونغريس الهندي الحاكم خلال السنة الراحلة اتخذ في نهاية جلساته عدة مقررات ونصوص يهمنا هنا في هذا الموطن ما يتصل منها بموضوع الاشتراكية وما يتضمنه المفهوم الهندي لها من معان ومعطيات أساسية، وقد جاء في ضمن القرارات المتخذة بهذا الصدد حيث يلاحظ مدى العناية بالجانب العملي من مفهوم الاشتراكية، والحرص على مجانية الإشتهواءات النظرية الجوفاء التي لا تتناسب في شيء مع مقتضيات الواقع الماثل، تقول المقررات المتخذة في هذا المضمار ( .. أن أي بلد متخلف لا يمكن أن يكتفي بالمؤسسات الموجودة، بل ينبغي له أن يكيفها على صورة تضمن مساهمتها في تحسين أحوال المجتمع وتنمية ثرواته ومقدراته، وان أغلبية القرارات المتخذة والمتعلقة بالإنتاج والتوزيع والاستهلاك والتمويل، وبعبارة أخرى جميع العمليات الاقتصادية والاجتماعية يجب أن توضع تحت إشراف مؤسسات تعمل على خدمة الأهداف الاجتماعية، وأن المشكلة الهامة هي في إتاحة الفرصة للفرد البسيط المغمور لكي يساهم لا في تحسين أحواله فحسب، بل أيضا في الرفع من مستوى البلاد بصورة عامة، وليس هناك من ضرورة لكي تبقى الاشتراكية مذهبا متحجرا إذ أن لكل بلد أن يطبق مقتضياتها فحسب بما يتفق مع عبقريته، ويفهمها على ضوء ماضيه، وأن التنظيم الاقتصادي للدولة لا ينبغي أن يحتذي دائما سبلا واحدة لا تتغير، يجب إذن ترك المجال واسعا أمام المحاولة والتجربة، ومن اللازم إتباع سبيل اللامركزية في الجهاز التنفيذي، وذلك لإعطاء المنشآت المؤممة كل الحرية في العمل ضمن إطار التعليمات العامة، وقد قيل أن الديمقراطية هي طريقة للعيش أكثر مما هي مجموعة من التنظيمات المنشآتية، وليس هناك ما يحول دون اعتبار هذه الصيغة أيضا بالنسبة إلى الاشتراكية ذاتها ... )
* * *
وهناك ناحية هامة تعتمدها التجربة الاشتراكية في الهند ويعول عليها قادة حزب المؤتمر ورئيس الحكومة بصورة اخص كما يتبين ذلك من خلال آرائه والنظريات التي يدين بها هذا المجال، وتتمثل هذه الناحية في مبدأ التصميم والتخطيط: التخطيط لمختلف المشاريع الإنمائية والتطويرية التي ترمي إلى توسيع إمكانيات البلاد وتركيز مقدرتها الطبيعية والاصطناعية، والتخطيط أيضا كذلك للعمليات الهادفة إلى «تشريك» الاقتصاد الهندي والمجتمع الهندي وما ينشأ عن هذا التشريك من مصاعب وتعقيدات يعتبر بعضها محرجا إلى حد بعيد، وخاصة بالنسبة إلى قطر كشبه القارة الهندية يعتبر السابع في العالم من حيث المساحة، ويعيش فيه أكثر من436 مليون نسمة تختلف أوضاعهم وعادتهم وعقلياتهم ولغاتهم واتجاهاتهم ودياناتهم، ويصلون من التباين في هذا المضمار إلى درجة كبيرة جدا. وغني عن البيان أن الإطار التخطيطي قد أصبح في عالم اليوم الأساس الضروري لكل عملية إنمائية أو تطورية سواء عند الأمم المختلفة أو شبه المختلفة وسواء أيضا عند الرأسماليين أو الشيوعيين، (والملاحظ أن هؤلاء الأخيرين يعتبرون من المغرمين بالتخطيط في جميع الميادين وذلك إلى حد الهوس أحيانا، إذ أن البعض من بين الدول الشيوعية الكبرى يذهب في هذا المجال إلى درجة الحرص على تخطيط الإنسان نفسه ومحاولة العمل على قوليته ضمن إطار تخطيطي محدد الآفاق والأبعاد)، وعلى كل فإن الذي يبدو واضحا بصورة عامة أن جانب التخطيط بمفهومه الدقيق لا ينفك يحتل في مضمار التجربة الهندية مكانة خاصة واستثنائية، ويكاد يعد كأهم ما يتوفر لهذه التجربة من حظوظ وعدد ووسائل، وذلك إلى حد أن المخططات الموضوعة أو المفترضة توشك أن تعتبر البديل الوحيد لما يعوز الهند من إمكانيات وما يقوم فيها من مشاكل ناشئة في أغلبيتها عن التفاوت المطرد بين الموارد والسكان، ومما يلفت الانتباه في هذا المضمار أن مفهوم الاشتراكية الهندية يكاد في بعض الاعتبارات يمتزج بمعنى التخطيط في عرف الكثيرين من القادة الهنود بما فيهم رئيس الحكومة نفسه، فالأمر بالنسبة للفكر الاشتراكي الهندي هو أمر تقنين