تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وتنوع الخاصة التي تقودها إلى اعتناق هذه النظرية أو تلك، واحتضان هذا النهج أو ذاك، ومن غير شك فإن القيم الاشتراكية التي تتبناها الهند، وتسير على منوالها بشكل أو بآخر شأنها في ذلك شأن الكثير من البلدان المتخلفة في آسيا وإفريقيا ممن آثرت سبيل الاشتراكية المعتدلة في مجال العمل على مناواة التخلف وتحقيق القدر الكافي مما تفتقر إليه من نهوض وتطور، نقول أن القيم التي تقتنيها الهند في هذا السبيل تعتبر -على العموم- مشاعة ومتداولة- نوعا ما- سواء عند هؤلاء أو أولئك، وليس فيها من حيث خطوطها الأساسية ما يمكن أن يعد بصفته استحداثا وابتكارا، إلا انه جانب آخر يجب الاعتبار بأن وضعية الهند الدولية الخاصة ومركزها السياسي والفكري في آسيا المعاصر من شأنه أن يضفي على تجربتها الاشتراكية ولو أنها لا تشكل إلا مجرد امتداد للتجارب العديدة التي تمارسها أقطار أخرى في هذا المضمار، يضفي على هذه التجربة قدرا كبيرا من الأهمية والاعتبار، ويجعل المراقبين وخاصة داخل المعسكرين العالميين المتنافسين يتتبعونها بكامل اليقظة والحذر، إذ أنه على نجاح هذه التجربة أو إخفائها تتوقف كثير من الاعتبارات الأساسية التي تساعد على تقسيم الوضع العام في جنوب شرقي آسيا بل وتبلور ظواهر هذا الوضع وآفاقه حاليا أو مستقبليا سواء بسواء، ويلعب العامل الجغرافي المذهبي دورا هاما له نصيب كبير من التأثر في هذا المقام، ذلك أن وجود شبه القارة الهندية بمتاخمة الصين ومضاهاتها للدولة الشيوعية الكبرى في كثير من المجالات سواء باعتبار الجانب الديموغرافي (أكثر من ستة وثلاثين وأربعمائة مليون نسمة)، أو الجانب الاقتصادي (مشاكل الإنماء والتطور، وارتباطها بمعضلة التزايد المستمر في عدد السكان)، أو غير هذا وذاك من وجوه الشبه بين الأحوال في البلدين الأسيويين الكبيرين، ان ذلك بنظر كافة المراقبين من المعقول أن يثير كما قدمنا كل الانتباه نحو الهند ويحفز على الاهتمام بتطورات التجربة الكبرى التي تمارسها والتي لم تستنفذ من أهدافها لحد الآن إلا قدرا محدودا جدا، والواقع أن هناك عاملا رئيسيا له بالفعل كل الأهمية في هذا المقام ويعود إليه السبب في خلق ظروف الموازاة الحاصلة هكذا بين الهند البرلمانية من جهة، والصين البروليتارية من جهة أخرى، بل أنه يؤثر علميا في اصطناع عوامل المنافسة الحادة وغير المباشرة بين الجانبين في مختلف الميادين، وبالنتيجة لذلك يضفي كما ذكرنا قدرا غير محدود من الأهمية على واقع التجربة التطورية الهندية وخاصة اللون الاشتراكي الخاص الذي تصطبغ به هذه التجربة وتتأثر به إلى مدى غير قصير، وهذا العامل يتمثل في طبيعة الاختلاف الحاصل بين هؤلاء وأولئك حول مدلول الاشتراكية والآفاق التي تتفتح عليها سواء في المجال الاقتصادي أو الاجتماعي أو السياسي أو الروحي أو غير ذلك مما يمتد على مختلف المناحي والأبعاد. إن اشتراكية الهند هي بالطبع غير اشتراكية الصين، كما أن الاشتراكية العربية هي بالبداهة غبر الاشتراكية السوفيتية سواء من حيث المبادئ العامة أو باعتبار التفاصيل، فعند الهنود تمتزج الاشتراكية في الغالب بالنظريات الفكرية الهندية، وتتسع كثيرا لاستيعاب مقتضيات الواقع الهندي بكل ما يعكسه من قيم خاصة وما يسوده من مفاهيم ومثاليات معينة، كما أن هذه الاشتراكية تمتاز بطابع ليبرالي واضح يبقي للفرد ولمجموعات الأفراد قدرا كافيا من حرية الملكية وحرية المبادرة الشخصية وحرية المصير السياسي والاجتماعي مع ما يقتضيه ذلك من سلوك سبيل الديمقراطية البرلمانية الغربية في أكثر أشكالها كلاسيكية ومنهجية، وفي نطاق كل هذا فثمة مجال واسع لتحقيق الكثير من المقاصد الاشتراكية الأساسية، وذلك عن طريق انتهاج سياسة التأميم وخاصة بالنسبة للمرافق ذات المصلحة العامة، وتوسيع نطاق الإصلاح الزراعي، والتقليل من سعة الفوارق الطبقية وغير هذا وذاك مما يؤول إلى إعادة تنظيم المجتمع المعاصر، على أسس أكثر ايجابية ومعقولية.

يقول رئيس الحكومة الهندية في مجال تعريفه لبعض جوانب النهج الاشتراكي الذي تتبناه بلاده، وخاصة طبيعة النظرة الفلسفية التي تسود هذا النهج وتتحكم في تكييفه وتوجيهه يقول في موضوع ذلك متسائلا: ( ... ما هي الاشتراكية التي يتحدثون عنها في جميع المناسبات؟ أن إعطاء رد دقيق على هذا السؤال يعد من الأمور العسيرة وذلك لأنه توجد ثمة تعريفات لا حصر لها لمفهوم الاشتراكية، لكن الاشتراكية في اعتبارنا ستبقى دائما تتمثل في العمل على تحسين أحوال الفرد والتخفيف من مظاهر اللامساواة، هذا مع عدم إغفال الجوانب الأخلاقية والروحية في الحياة .. هذه الجوانب التي تشكل في نهاية الأمر الأساس الذي قامت عليه الثقافة والحضارة والتي أعطت بعض المعنى للحياة ... )، ويقول في موطن آخر: ( .. إن الاشتراكية قبل كل شيء ليست فقط طريقا للحياة، ولكنها أيضا تناول.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٨٦٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٨٦٧